د. محمد سيد احمد يكتب : مصر والإرهاب فى ثلاثة عصور !!
الثلاثاء 25 أبريل 2017 11:22:48 صباحاًمشاهدات(178)

 

في البداية لابد من التأكيد على أن الجماعات التكفيرية الإرهابية هى أداة استعمارية بالأساس, حيث قرر الاستعمار القديم الذى كانت تقوده فى مطلع القرن العشرين الامبراطورية البريطانية تشكيل أول جماعة إرهابية تتدثر برداء الدين الإسلامى مع أن الإسلام منها براء, فكانت نشأة جماعة الإخوان المسلمين فى مصر عام 1928 على يد شاب صغير السن في مقتبل العقد الثالث من عمره يدعى حسن البنا يعمل مدرسا للغة العربية بمدرسة ابتدائية بمحافظة الاسماعيلية, حيث تلقفته أجهزة الاستخبارات البريطانية عبر مندوبها بشركة قناة السويس ودعمته للقيام بالمهمة المرتقبة, ويعترف حسن البنا ذاته أنه قد تلقى مبلغ خمسمائة جنيها مصريا من رئيس شركة قناة السويس لبناء أول مسجد للجماعة بمدينة الاسماعيلية على شكل تبرع من الشركة له.

وكانت بريطانيا ترغب فى ربط المستعمرات معها بحبل سري حتى إذا تصاعدت حركات التحرر الوطنى واضطرت للخروج العسكرى تبقى أدواتها الاستعمارية باقية عبرعدة بوابات منها الاقتصادى والثقافى والتعليمى والأمنى وكلها أشكال للاستعمار فى ثوبه الجديد, لذلك لا عجب أن يظل حتى اللحظة الراهنة فرع التنظيم الدولى لجماعة الإخوان الإرهابية فى لندن من أقوى الفروع التى لا يقترب منها أحد وتلقى دعما على أعلى مستوى من الحكومة البريطانية, وبتراجع بريطانيا كإمبراطورية عظمى وتقدم الولايات المتحدة الأمريكية لتحل محلها على المستوى الدولى فقد قامت أجهزة مخابراتها بمد جسور التعاون مع هذه الجماعة والجماعات الأخرى الوظيفية التى خرجت من تحت عباءتها.

ومنذ ظهور الجماعة على ساحة المجتمع المصرى فى ظل الاحتلال البريطانى الذى ساعدها على التغلغل وبناء النفوذ داخل البنية المجتمعية المصرية وهى تمارس الإرهاب عبر تنظيمها السري والذى هو مليشيا مسلحة أقامها حسن البنا بتعليمات من الحاكم العسكرى البريطانى تحت مسمى " فرق الرحلات " وهى فرق شبه عسكرية كانت تتلقى تدريبات على حمل السلاح وممارسة العنف, وكانت كل عملياتها قبل قيام ثورة 23 يوليو 1952 تحدى للسلطة السياسية وطرح نفسها كبديل لها أسفرت عن عدة اغتيالات كان أبرزها اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي فى عام 1948 فرد الملك باغتيال مؤسس الجماعة حسن البنا فى عام 1949.

 وبقيام الثورة ومطالباتها للاحتلال البريطانى بالجلاء كانت الجماعة جاهزة لإفشال الثورة الوليدة فكانت محاولة اغتيال قائد الثورة جمال عبد الناصر فى 26 أكتوبر 1954 بميدان المنشية بالإسكندرية أثناء إلقائه خطاب بمناسبة توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا, فكانت أول مواجهة حقيقية للجماعة مع السلطة الجديدة حيث جرت أكبر حملة اعتقالات للإخوان الإرهابيين استمرت لما يقرب من عام ووصلت الى 2943 معتقلا كان فى مقدمتهم قيادات الجماعة وما يقرب من 70 % من أعضاء التنظيم السرى المسلح البالغ عددهم سبعمائة عضو, بناء على بيانات قدمها البكباشي زكريا محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة للصحف فى ذلك الحين, وشكلت محكمة عسكرية عاجلة لمحاكمتهم, وكانت تلك الإجراءات هى الضربة الأكبر للجماعة مما دفع غالبية أعضائها للكمون أوالهجرة, وهو ما سمح للثورة بالتمكن من إقامة مشروعها التنموى الوطنى دون أى قلاقل بالداخل عبر هذه الأداة الاستعمارية الإرهابية.

 وجدير بالذكر أن هناك محاولة أخرى للجماعة فى العام 1965 واجهت بقوة أيضا وتم فيها إعدام سيد قطب أحد أشهر منظرى التكفير من أبناء هذه الجماعة, والأستاذ الذى تعلمت منه كل التنظيمات الإرهابية اللاحقة عبر كتابه الشهير "معالم فى الطريق " وكانت محنة كبيرة للجماعة لم تفق منها إلا برحيل الزعيم جمال عبد الناصر.

وجاء الرئيس السادات للحكم لننتقل الى مرحلة جديدة وعصر جديد حيث بدأت الهيمنة الأمريكية وقرر الرجل أن يتخلى عن المشروع التنموى الوطنى لصالح مشروع التبعية, وبالتالى برزت التعليمات الأمريكية لتمكين هذه الأداة الاستعمارية للعودة للعمل من جديد بعد أن قام جمال عبد الناصر بتعطيلها طوال فترة حكمه, فقام السادات باستدعاء مرشد الجماعة عمر التلمسانى وعقد معه صفقة يقوم فيها بالإفراج عنهم وإطلاق يدهم داخل المجتمع على أن يساعدوه فى مواجهة خصومه السياسيين الذين يتمسكون بالمشروع التنموى الوطنى ويرفضون مشروع التبعية الأمريكى, ونجحت الخطة الاستعمارية الجديدة وحل الوطنيون من خصوم السادات السياسيين محل الارهابيين فى السجون والمعتقلات.

 ومنذ ذلك التاريخ والجماعة يتمدد مشروعها ويتغلغل داخل بنية المجتمع بدعم مخابراتى أمريكى وتمويل خليجى عبر آليات متعددة منها الاعضاء المهاجرين من الجماعة أثناء حصار عبد الناصر لهم حيث قاموا بتشكيل ثروات ساعدتهم كثيرا فى بناء نفوذهم عند العودة فى عصر السادات, وخلال سنوات السبعينيات كانت الجماعة قد أخرجت العديد من الجماعات الإرهابية الصغيرة من تحت عباءتها كان أشهرها جماعة صالح سرية التى عرفت بتنظيم الفنية العسكرية عام 1973 , ثم جماعة شكرى مصطفى المعروفة بالتكفير والهجرة عام 1977 , ثم جماعة الجهاد التى قتلت السادات ذلك الرجل الذى أطلق سراحهم دون أن يعى أن نهايته ستكون على أيديهم.

وبرحيل السادات بدأ عصر جديد استمرت فيه الجماعة الأم وأبناءها يلعبون مع السلطة السياسية لعبة ( القط والفأر ), حيث استمرت سياسة عقد الصفقات بينهما والتى بدأها الرئيس السادات فكل منهما أداة من أدوات المشروع الاستعمارى الأمريكى الذى لا يرغب فى نهضة وتنمية حقيقية لمصر, وكانت النتيجة هى اتساع نفوذ الجماعة الإرهابية حتى تمكنت فى لحظة من القفز الى سدة الحكم, لكنها لم تستمر طويلا بفضل الشعب والجيش معاً.

والسؤال الذى يطرح نفسه بقوة الآن كيف نتعامل مع الإرهاب ؟ والإجابة تتلخص فى أننا لابد وأن ندرك أن المعركة مع الإرهاب مزدوجة فهو أداة استعمارية كما أكدنا منذ البداية لذلك لا يصلح معها سياسة المهادنة والصفقات بل يجب ضربها بقوة وعنف كما فعل الرئيس جمال عبد الناصر, وفى نفس الوقت لابد من التخلى عن مشروع التبعية الأمريكية, والإسراع فى اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة أدواته الاقتصادية فى الداخل والتى تساوى حجم ثرواتها المسروقة والمنهوبة من قوت الشعب إجمالى الدين الداخلى الذى يقدر بما يقرب من ثلاثة تريليون جنيه والدين الخارجى الذى يقدر بما يقرب من ستون مليار دولار, وبعد ذلك يأتى الدور لمواجهة منظومة الثقافة والتعليم والقيم التى اختلت خلال عصري السادات ومبارك, وجعلت قطاعات واسعة من المجتمع تتبنى إما أفكار الغرب الاستعمارى أو أدواته التكفيرية والإرهابية بالداخل, ومن هنا تكون البداية لإعادة بناء المشروع التنموى الوطنى, اللهم بلغت اللهم فاشهد.