أخبار عاجلة
د. محمد سيد أحمد يكتب : الضمير العالمى .. بين مجزرتى بحر البقر وضحيان !!
الأربعاء 15 أغسطس 2018 10:36:01 صباحاًمشاهدات(113)
 
الفاصل الزمنى بين مجزرتى بحر البقر المصرية وضحيان اليمنية يقترب من النصف قرن تقريبا, وهى مدة زمنية كبيرة شهد خلالها العالم ثورة فى عالم الاتصالات والمعلومات, حيث تحول العالم بفضل هذه الثورة الى قرية صغيرة تتناقل فيها الأخبار بسهولة ويسر, وأصبحت وسائل الإعلام ليست حكرا على الحكومات, بل أصبح كل مواطن على سطح الكرة الأرضية يمتلك وسيلته الإعلامية الخاصة, ويمكنه من خلالها أن يبث الأخبار والصور والفيديوهات وينقلها عبر الشبكة العنكبوتية للعالم أجمع, وعلى الرغم من ذلك التطور الذى شهدته تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات مازالت هناك أحداثا عالمية كبيرة كانت فى الماضى يهتز لها العالم وينتفض لها الضمير العالمى لا يلتفت إليها أحد اليوم, وهو ما يعنى أن الضمير العالمى قد مات.
 
ففى صباح اليوم الثامن من أبريل عام 1970 وأثناء حرب الاستنزاف التى كبدت فيها قواتنا المسلحة المصرية العدو الصهيونى خسائر فادحة, قامت القوات الجوية للعدو الصهيونى بالتحليق فوق السماء المصرية بخمسة طائرات من طراز إف – 4 فانتوم, ثم قامت بقصف مدرسة بحر البقر الابتدائية المشتركة فى قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية بشكل مباشر بواسطة خمس قنابل ( تزن 1000 رطل ) وصاروخين, وأدى العدوان الصهيونى الى استشهاد 30 طفلا وإصابة 50 أخرين بالإضافة الى إصابة مدرس و 11 عاملا بالمدرسة, وتدمير مبنى المدرسة تماما, وجاءت ردود الأفعال المصرية سريعة للغاية حيث قطعت الإذاعة المصرية بثها لتذيع بيان عاجل كان نصه : " أيها الأخوة المواطنون, أقدم العدو فى تمام الساعة التاسعة وعشرون دقيقة من صباح اليوم على جريمة جديدة تفوق حد التصور, عندما أغار بطائراته الفانتوم الأمريكية على مدرسة بحر البقر الابتدائية المشتركة بمحافظة الشرقية وسقط الأطفال بين سن السادسة والثانية عشر تحت جحيم من النيران ".
ونددت مصر بالعدوان رسميا, ووصفته بأنه متعمد وغير إنسانى بهدف إخضاع مصر وإجبارها على وقف الهجمات التى تشنها خلال حرب الاستنزاف والموافقة على مبادرة روجرز لوقف إطلاق النار. وعلى المستوى الشعبى نددت العديد من الجهات والهيئات والمنظمات بالعدوان ووصفته بأنه تجرد من كل معانى الإنسانية, وقام أطفال مدرسة بحر البقر الذين لم يصابوا فى الهجوم بإرسال رسالة الى  " بات نيكسون " زوجة الرئيس الأمريكى وقتها " نيكسون " وسألوها : " هل تقبلين أن تقتل طائرات الفانتوم أطفال أمريكا ؟! أنت الأم لجولى وتريشيا والجدة لأحفاد .. فهل نستطيع أن نذكر لك ما فعله زوجك مستر نيكسون ؟! ", وكتب الشاعر المصرى صلاح جاهين قصيدة فورية تقول " الدرس انتهى لموا الكراريس بالدم اللى على ورقهم سال .. فى قصر الأمم المتحدة مسابقة لرسوم الأطفال .. إيه رأيك فى البقع الحمرا يا ضمير العالم يا عزيزى .. دى لطفلة مصرية سمرا كانت من أشطر تلاميذى .. دمها راسم زهرة .. راسم راية ثورة .. راسم وجه مؤامرة .. راسم خلق جبابرة .. راسم نار .. راسم عار ع الصهيونية والاستعمار .. والدنيا عليهم صابرة وساكتة على فعل الأباليس .. الدرس انتهى لموا الكراريس ".
 
وردا على ردود الأفعال المصرية صرح المتحدث العسكرى للعدو الصهيونى فى تل أبيب فى الساعة الثالثة مساء يوم العدوان " أنهم يحققون فى الأمر " ثم أعقبه تصريح أخر بعد ساعة " أن الطائرات الإسرائيلية لم تضرب سوى أهداف عسكرية فى غارتها على الأراضى المصرية ", ثم خرج وزير دفاع  العدو الصهيونى موشى ديان  ليتحدث لراديو إسرائيل قائلا : " المدرسة التى ضربتها طائرات الفانتوم هدف عسكرى .. وهى قاعدة عسكرية والمصريين يضعون فيها الأطفال للتمويه ", وكتب يوسف تكواه مندوب العدو الصهيونى فى الأمم المتحدة رسالة للمنظمة الدولية يقول فيها : " إن تلاميذ المدرسة الابتدائية كانوا يرتدون الزى الكاكى اللون, وكانوا يتلقون التدريب العسكرى ", وعلى الرغم من ذلك خرجت بعض المنظمات التابعة للعدو الصهيونى من داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة تدين العدوان وتصفه بأنه : " نقطة سوداء فى تاريخ جيش الدفاع الإسرائيلى لكونه تسبب فى قتل العديد من المدنيين ".
 
وكانت ردود الفعل العربية والدولية سريعة حيث أثارت أنباء العدوان سخطا واسعا فى وسائل الإعلام, ونددت العديد من الدول العربية بالعدوان البشع وأعربت عن خالص مواساتها وتعازيها, وأدانت موسكو العدوان ووصفته بأنه " عندما أرادات إسرائيل اختيار حق الرد فلم تعارك جيشاً بل ذهبت للانتقام من أطفال مدرسة بحر البقر وهذا رد عاجز ", وأعلنت الحكومة البريطانية عن " أسفها الشديد للحادث ", وأعرب الفاتيكان عن " حزنه على الأطفال الأبرياء ", وشهدت تركيا وقفة احتجاجية من الطلبة أمام قنصلية العدو الصهيونى بإسطنبول, وفى يوغوسلافيا نددت جماعات السلام بالعدوان وقامت بإرسال برقيات احتجاجية لحكومة العدو الصهيونى, وعلى الرغم من ذلك جاء الرد الأمريكى مائعا كالعادة حيث قامت الخارجية الأمريكية بالتعليق بأنها " أنباء مفزعة, وأنها عاقبة محزنة يؤسف لها من عواقب عدم الالتزام بقرارات مجلس الأمن الخاصة بوقف إطلاق النار ", وكالعادة لم يصدر بيان رسمى من الأمم المتحدة واكتفوا بوصف الخارجية الأمريكية " بأن الأمر كله متعلق بانتهاك وقف إطلاق النار ", وكالعادة أيضا لم تعقب وسائل الإعلام فى دول أوروبا الغربية على العدوان واكتفت فقط بنشر التصريحات المصرية وتصريحات العدو الصهيونى عن المجزرة.
 
واليوم بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على مجزرة بحر البقر تشهد محافظة صعدة اليمنية مجزرة مماثلة على حافلة للأطفال فى منطقة ضحيان  كانت تقلهم فى رحلة مدرسية وبنفس الطائرات والصواريخ الأمريكية الصنع فيتم قصفهم بوحشية من قبل قوات التحالف العربي المزعومة المدعومة أمريكيا وصهيونيا والتى تشن عدوانا ظالما على اليمن العربية منذ ثلاث سنوات كاملة, وينتج عن ذلك استشهاد 40 طفلا بالإضافة الى 56 طفلا جريحا, وعلى الرغم من التطور المذهل الذى شهدته وسائل الاتصال والإعلام إلا أن العدوان كأنه لم يحدث, فردود الفعل العربية والدولية لم نسمع بها, ووسائل الإعلام لم تتوقف أمام المجزرة البشعة وكأنها لم تحدث, وفى محاولتنا لرصد ردود الأفعال حول مجزرة ضحيان بصعدة اليمنية لم نجد ما يكفى لعرضه, على عكس ردود الأفعال حول مجزرة بحر البقر المصرية, وهو ما يعنى أن العالم قبل نصف قرن كان مازال به بعض من ضمير, أما الآن فى فقد مات هذا الضمير وشيعت جنازته, اللهم بلغت اللهم فاشهد.