د. محمد سيد أحمد يكتب : سورية .. أخر الحصون العربية الصامدة !!
الأربعاء 12 سبتمبر 2018 05:25:09 مساءًمشاهدات(61)
 
نستطيع أن نجزم الآن وبعد ما يقرب من ثمانى سنوات من الحرب الكونية على سورية, أنها بالفعل أخر الحصون العربية الصامدة فى وجه العدو الأمريكى, ومشروعه الاستعماري الجديد فى منطقتنا والذى يطلق عليه مشروع الشرق الأوسط الجديد, وإذا كانت هذه التسمية جديدة نسبيا إلا أن المشروع ذاته قديم ورسمت معالمه منذ نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين, حين رأت الولايات المتحدة الأمريكية أن آلية التقسيم والتفتيت التى اتبعتها القوى الاستعمارية القديمة هى أحد أهم الآليات للسيطرة والهيمنة على ثروات مجتمعاتنا العربية والاسلامية, وبالتالى لابد من إجهاض أى مشروع وحدوي فى المستقبل, بل والقضاء بشكل نهائي على هذه الأفكار التى تنادى بالوحدة وتسعي إليها.
ومن المعروف تاريخيا أن كل محاولات الوحدة التى حاول جمال عبد الناصر تحقيقها منذ قيامه بثورة 23 يوليو 1952 قد ترصدتها الولايات المتحدة الأمريكية القوى الاستعمارية الجديدة فى العالم والتى بدأت في سيطرتها وهيمنتها على العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, وقامت بإجهاضها بطرق شتى سواء بالتآمر عليها من الداخل عبر عملائها داخل مجتمعاتنا أو بتشجيع الرجعية العربية بالوقوف ضدها ودعم وتمويل القوى الانفصالية, ولعل نموذج الوحدة المصرية – السورية ( 1958 – 1961 ) خير شاهد وخير دليل, وبرحيل جمال عبد الناصر فقد المشروع الوحدوي العربي أحد أركانه الرئيسية, وتمكن مشروع التقسيم والتفتيت من كسب نفوذ وأرضية جديدة داخل مجتمعاتنا العربية عبر استقطاب رئيس أكبر دولة عربية وهى مصر ليعمل لصالح المشروع التقسيمي والتفتيتى الأمريكى, وهو الرئيس السادات الذى أعلن أن 99 % من أوراق اللعبة فى يد الأمريكان, وتبني سياسة الانفتاح وتخلى عن المشروع التنموى المستقل, ووقع اتفاقية كامب ديفيد مع العدو الصهيونى منفردا, وبذلك تخلى وبشكل نهائي عن مشروع وفكرة الوحدة العربية, وكسب بذلك العدو الأمريكى أرضا جديدة وبدأ فى التفكير بشكل أكثر عملية في مشروع التقسيم والتفتيت.
وبعد اخراج مصر من المعادلة جاء الدور على العراق فأشعل العدو الأمريكى الحرب بينها وبين إيران, وفى عام 1980 وأثناء اشتعال الحرب صرح مستشار الأمن القومى الأمريكى " بريجنسكى "  أحد أهم مهندسي مشروع التقسيم والتفتيت " إن المعضلة التى ستعانى منها الولايات المتحدة من الآن هى كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية  - تقوم على هامش الخليجية الأولى التى حدثت بين العراق وإيران - تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود سايكس - بيكو ", ورغم وضوح هذا التصريح إلا أن حكامنا لا يسمعون ولا يقرؤون ولا يفكرون ولا يتعلمون, ولا يستعينون بمن يسمع ويقرأ ويفكر ويتعلم بدلا منهم حتى يتمكن من تقديم النصح لهم, وبذلك يتمكنون  من التصرف أمام هذه المؤامرات المعلنة, فكانت حرب الخليج الثانية التى خطط لها العدو الأمريكى منذ سنوات خطوة جديدة فى مشروع التقسيم والتفتيت, حيث وقع صدام حسين فى الفخ للمرة الثانية وبسذاجة مكنت العدو الأمريكى من فرض نفوذه وهيمنته العسكرية على المنطقة بأكملها وبرضاء تام من الدول التى طالبت الحماية الأمريكية خوفا من البطش والرعونة العربية.
ولأن العدو الأمريكى لا يلعب ففى أعقاب تصريح " بريجنسكى " قامت وزارة الدفاع الأمريكية " البنتاجون " بتكليف المفكر والمؤرخ الصهيونى المتأمرك " برنارد لويس " المتخصص فى شؤون الشرق الأوسط  بوضع مشروعه الشهير الخاص بتفكيك الوحدة الدستورية لمجموعة الدول العربية والإسلامية, وتحويل كل منها الى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية, وقد أرفق بمشروعه المفصل مجموعة من الخرائط المرسومة تحت إشرافه تشمل جميع الدول العربية والاسلامية المرشحة للتفتيت بوحى من مضمون تصريح " برجنسكى ", وفى عام 1983 وافق الكونجرس الأمريكى بالإجماع فى جلسة سرية على مشروع " برنارد لويس ", وبذلك تم تقنين هذا المشروع واعتماده وإدراجه فى ملفات السياسة الأمريكية الاستراتيجية لسنوات مقبلة, ومنذ ذلك التاريخ والعدو الأمريكى ينفذ مشروعه عبر السيطرة والهيمنة على حكامنا باعتبارهم الأدوات التنفيذية للمشروع بالداخل.
ونجحت مخططات العدو الأمريكى الى حد كبير باستثناء سورية العربية التى قررت أن تكون صمام الأمان والحاضنة الفعلية للمشروع القومى العروبي المقاوم للهيمنة الأمريكية, فرفض الرئيس حافظ الأسد أى مشروعات تنموية تعتمد على السياسات الرأسمالية الغربية والتى تعتمد بشكل رئيس على المنح والقروض, وقرر اتباع سياسة اقتصادية معتمدة على الذات تحول فيها المواطن العربي السورى الى مواطن منتج وليس مستهلك وأصبحت سورية خلال سنوات حكمه دولة تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع ولديها قدر كبير من الاكتفاء الذاتى, ومكنها ذلك من استقلالية قرارها السياسي, لذلك فشل العدو الأمريكى أن يفرض اجندته على سورية, ورفض الرئيس حافظ الأسد توقيع اتفاقية سلام مذل مع العدو الصهيونى على غرار " كامب ديفيد " و " أوسلو "  و " وادى عربة ", وحافظ لسورية على حقها فى المقاومة لأخر يوم فى حياته.
وبرحيل القائد المؤسس حافظ الأسد اعتقد العدو الأمريكى أنه قد تخلص من العقبة الوحيدة فى طريق مشروعه التقسيمي والتفتيتى, لكن خاب ظنهم حيث جاء الرئيس بشار الأسد من قلب قلب مدرسة أبيه, تلك المدرسة المؤمنة بحتمية الوحدة العربية, وبحتمية المقاومة فى وجه العدو الأمريكى وحليفه الصهيونى, فحافظ لسورية على سياساتها الاقتصادية المكتفية ذاتيا, وحافظ على استقلالية قرارها السياسي, وعندما اندلعت شرارة الربيع العربي المزعوم فى مطلع العام 2011 وتساقطت الأنظمة العربية وحكامها التابعين للعدو الأمريكى صمدت سورية وحدها باعتبارها أخر حصون المقاومة, وعبر الثمانى سنوات تمكنت بفضل شعبها وجيشها وقائدها من تفكيك المؤامرة وهزيمة المشروع التقسيمي والتفتيتى الأمريكى, وعبر هذا الصمود الأسطورى قدمت سورية نموذجا يمكن البناء عليه وتدعيمه لمن يرغب فى اللحاق بركب المشروع الوحدوى العربي المعادل الموضوعى للمشروع  التقسيمي والتفتيتى الأمريكى, اللهم بلغت اللهم فاشهد.