د. محمد سيد احمد يكتب : سيادة الرئيس .. لسنا في زمن السكوت !!
الثلاثاء 19 أبريل 2016 11:03:54 صباحاًمشاهدات(255)

 

إن المطلع على تاريخ الشعب المصرى سيدرك أنه من أكثر شعوب الأرض صبرا علي حكامه, والشخصية المصرية تتسم بأن لديها تكيف فائض مع القهر والظلم والاستبداد, بل ومع الفقر مهما اشتد فالمصرى يعيش على الندرة, ويكتفى بما يسد رمقه من قليل من الطعام والشراب, وقد يكتفى بوجبة واحدة يوميا, ولا ينظر كثيرا لنوعية الحياة, ولا ينظر لطعام وملبس ومسكن غيره فأقل القليل يكفيه, ودائما ما يطيع أولى الأمر حتى ولو كانوا على باطل, وحتى لو قاموا بتجويعه وتقييد حريته واستعباده, وما أصفه الآن لا ينطبق علي كل المصريين لكنه ينطبق على الغالبية العظمى من شعب مصر وعبر تاريخه الطويل, فالشعب المصرى لم يثور إلا فى مرات قليلة جدا من تاريخه, وإذا ما حاولنا أن نقدم أمثلة فسوف نجد الكثير والكثير, لكننا سنكتفي بما شهده المصريين خلال العقود الأخيرة.

 

فبعد أن نجحت ثورة يوليو 1952 التى قام بها الجيش علي نظام ملكى فاسد واحتلال بريطانى غاشم, قامت بتغيير جذرى فى بنية المجتمع المصرى مكن الفقراء والكادحين وهم الغالبية العظمى من شعب مصر من الحصول على الكثير من حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المهدرة بفعل مشروع تنموى قومى منحاز لهم, ومع مطلع السبعينيات انقلبت الأحوال وجاء نظام سياسي جديد انحرفت بوصلته بعيدا عن حقوق الفقراء والكادحين وفى عام 1977 صدرت بعض القرارات الاقتصادية وارتفاع لأسعار بعض السلع الأساسية التى تمس القوت اليومى للمصريين فكان الانفجار وخروج المصريين عن صبرهم وصمتهم, وشعر النظام فى حينه بأنه فى خطر فتراجع عن قراراته حتى تهدأ الأوضاع وتسكت الأصوات الهادرة وقد كان.

 

وبعدها جاء مبارك وجثم على صدر الوطن والمواطن لمدة ثلاثة عقود عاد فيها الشعب المصرى الى طبيعته التاريخية من حيث الصبر والصمت رغم كل المعاناة التى عاناها من قهر وظلم واستبداد وتلاعب بقوته اليومى, أدى الى ارتفاع نسبة الفقر بشكل مفزع حيث قدرت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر فى نهاية حكم مبارك الى ما يقرب من 41 % وفقا للتقارير الدولية ( منها تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة ) هذا بخلاف من يعيشون فى حزام الفقر والذين تراوحت نسبهم بين 23 % و25 % وهو ما يعنى أن ما يقرب من ثلثى المصريين يعانون من الفقر بشكل أو بآخر, وكان مبارك يتبع اسلوب غريب فى التعامل مع الشعب المصرى حيث كان يوهم الفقراء والكادحين أنه يعمل من أجلهم فى الوقت الذى كانت سياساته قائمة على الفرز الاجتماعى فكان الاغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا, وعندما كانت تعلو بعض الأصوات يحاول أولا تكميمها من خلال عصاه الغليظة المتمثلة فى الأجهزة الأمنية, وعندما تفشل يقوم بتغيير الاسلوب حيث يتيح مساحة من الكلام لمجرد الكلام بمعنى تكلموا وسنفعل ما نريد, وقد وصلت المسألة فى آخر أيامه وحين تم تشكيل البرلمان الموازى بعد تزوير انتخابات 2010 وعلت أصوات المعارضين خرج ليقول خليهم يتسلوا, وكانت النتيجة فقدان المصريين لصبرهم والانفجار فى وجهه وأصبحت أصواتهم براكين وشلالات هادرة فى الشوارع والميادين انهار على آثارها مبارك ومؤسسات حكمه.

 

ومنذ 25 يناير والشخصية المصرية قد تبدلت وتغيرت بشكل جذرى ولم يعد الصبر والصمت من خصائصها التى تميزت بها تاريخيا, خاصة مع ما شهده المجتمع من ظهور جيل جديد يجيد استخدام التكنولوجيا الحديثة, فبعد أن كانت وسائل الإعلام حكرا على الدولة ورجال أعمالها المتحكمين فى وسائل الإعلام التقليدية ( مقروءة ومسموعة ومرئية ) أصبح هناك وسائل إعلام جديدة متمثلة فى المواقع الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية ومنها مواقع التواصل الاجتماعى ( الفيس بوك وتويتر واليوتيوب ) والتى أصبحت تتابع وتستخدم على نطاق واسع, فى مقابل انحسار الإعلام التقليدى ونجح الإعلام الجديد بشكل كبير, وأصبح لكل مواطن وسيلة إعلامية خاصة به يمكنه النشر عليها ما يشاء والتعبير عن رأيه فى كل زمان ومكان, وبعد نجاح هذه الوسائل فى الحشد لثورة 25 يناير تم الاعتماد عليها فى الحشد لثورة 30 يونيو وكما نجحت فى الاطاحة بمبارك نجحت فى الاطاحة بمرسي.

 

ومنذ ذلك التاريخ 25 يناير 2011 أصبح الشعب المصرى من الشعوب المتكلمة ولم يعد من الشعوب الصامتة خاصة وأن كلامه دائما ما يأتى للتعبير عن حقوقه المهدرة, فمنذ خروجه على مبارك مطالبا وصارخا بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية وهو لم تتحقق مطالبه ومازالت السلطة السياسية تراوغه في الوقت الذى تزداد فيه معاناته على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية, وتحاول السلطة الراهنة إسكاته وإعادته الى سابق عهده صابرا وصامتا, ويحاول الرئيس السيسي أن يستخدم السلطة الأبوية التى ترى أن الحاكم أب لا ينطق إلا الحق وعلى الأبناء أن يطيعوه ويسمعون كلامه حتى ولو كانوا غير مقتنعين وإلا سينالون عقاب عقوق الوالدين, وفى حديث الرئيس الأخير الذى استهدف منه احتواء غضب بعض المصريين على تنازل مصر عن جزيرتى تيران وصنافير للملكة العربية السعودية وهى الجزر التى تربت أجيال عديدة وعبر مناهجنا التعليمية على أنها جزء من التراب الوطنى نجده يطالب المصريين بأن يسكتون ولا يتحدثون فى هذا الموضوع مرة أخرى.

 

وبالطبع أثارت هذه الكلمات حفيظة كثير من المصريين خاصة فى ظل أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية المتردية وفشل حكومة سيادته فى مواجهاتها والتخفيف عن كاهل الفقراء والكادحين وهو ما جعلهم يستغلون قضية التنازل عن الجزيرتين لتعلوا أصواتهم من جديد ويطالبون بالخروج للشوارع والميادين معلنين تمردهم وعدم سكوتهم, لذلك على الرئيس أن يعي أننا لسنا فى زمن السكوت, وعليه أن يدرك كلمات الزعيم جمال عبد الناصر بأن الشعب هو القائد والمعلم, وعليه أن ينحاز فعليا وعمليا للفقراء والكادحين الذين لا يخشون على شيئ ليفقدوه والذين تعلوا أصواتهم ويصرخون من الألم, فمازالت مطالبهم المشروعة فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية لم تتحقق, ولن يصبروا ولن يسكتوا فقد تجاوزنا زمن الصبر والسكوت, اللهم بلغت اللهم فاشهد.