د. محمد سيد احمد يكتب : دولة الفساد والتبعية الى أين ؟!
الثلاثاء 28 يونيو 2016 12:17:29 صباحاًمشاهدات(713)

 

عرفت الدولة المصرية الفساد منذ ألاف السنين ويمكن رصد العديد من وقائع الفساد عبر كل العصور لكننى لن أستغرق كثيرا فى رصد وقائع الفساد التاريخية, وأكتفى هنا بمقولة المشير حسين طنطاوى وزير الدفاع الأسبق عشية تسليم المجلس العسكرى السلطة لمحمد مرسي وجماعته الإرهابية حين سئل كيف تتركون الحكم لهذه الجماعة الإرهابية ؟ فقال قولته الشهيرة والعميقة والتى تنم عن أنه نقلها من قارئ جيد للتاريخ بأن مصر لم يحكمها شخص علي مدار السبعة ألاف سنة لكن يحكمها الموظفين, بمعنى أن الجهاز البيروقراطى للدولة هو من يحكم أو ما عرف مؤخرا بالدولة العميقة المتمثلة فى مجموعة أصحاب المصالح الذين دائما ما يقومون بكل ما هو شرعي وغير شرعي لاستمرار مصالحهم وهو ما يولد الفساد, وخلال أيام قليلة صدقت مقولة المشير طنطاوى وتمكنت دولة الفساد من جعل الشعب يثور على الجماعة الإرهابية.

   ويمكن التأريخ لحالة الفساد الراهنة التى وصلت إليها الدولة المصرية بتولى الرئيس أنور السادات الحكم والذى قرر منذ البداية تغيير التوجهات السياسية للدولة والتى كانت قد خرجت من حالة التبعية بعد ثورة 23 يوليو 1952 واستطاعت بناء مشروع تنموي مستقل منحاز للفقراء والكادحين والمهمشين وخلال فترة وجيزة نمت الطبقة الوسطى بشكل ملحوظ وتمكن الفقراء من مصادر الثروة والسلطة داخل مجتمعهم وتحققت لهم أشكال متعددة من العدالة الاجتماعية سواء فى التعليم والتوظيف والصحة والإسكان والضمان الاجتماعى هذا الى جانب بناء الروح المعنوية التى تشجع على العمل والمشاركة فى البناء والشعور بأن هناك إمكانية للصعود والترقي والحراك الاجتماعى الصاعد, وفى ظل هذه الأجواء تآمر الغرب الاستعمارى بقيادة الولايات المتحدة الامريكية لإجهاض مشروع الاستقلال الوطنى فكانت نكسة 1967 ورغم النكسة أستمر المشروع وبوفاة الزعيم جمال عبد الناصر وتولى أنور السادات مقاليد الحكم كانت الفرصة سانحة لهدم المشروع فالرئيس الجديد كان يؤمن بأن 99 % من أوراق اللعبة فى يد الأمريكان كما أعلنها صراحة وكانت البداية للتبعية الكاملة .

حيث بدأت سياسيا ثم تحولت الى تبعية اقتصادية للمشروع الرأسمالي الغربي عن طريق الانفتاح الاقتصادى الذى جلب معه الفساد, فالثقافة الامريكية تعلي من قيم الفردية والأنانية والغاية تبرر الوسيلة ومن هنا انتشرت القيم السلبية التى تسعي لجمع المال بأى طريقة حتى ولو لم تكن شرعية, وهنا نتذكر مقولة الرئيس السادات الشهيرة والراسخة فى ذهن العقل الجمعي المصري " أن من لم يغتنى فى عصرى فلن يرى الغني بعد ذلك " ومن هنا انتشرت ثقافة الفساد والتبعية ويمكننا رصد العديد من قصص الصعود عبر وسائل شديدة الفساد فمن أطلق عليهم فى نهاية السبعينيات القطط الثمان نموذجا للفساد الناشئ ومن أطلق عليهم رجال أعمال نظام مبارك هم النموذج الفج للفساد الراهن.

وهنا يأتى السؤال وبعد ثورتا 25 يناير و30 يونيو والتى دفع فيها الشعب المصرى أغلى ما يملك من زهرة شباب الوطن دولة الفساد والتبعية الى أين ؟ّ! والإجابة الحاضرة والجاهزة والواضحة وضوح الشمس أن دولة الفساد والتبعية عادت من جديد لتتمكن وتتمدد وتسيطر على مقدرات البلاد والعباد, فالقيادة  السياسية الجديدة وعلى رأسها الرئيس السيسي قيادة وطنية ومخلصة وتسعي للإصلاح قدر المستطاع لكنها وللأسف الشديد لا تمتلك رؤية أو برنامج أو مشروع حقيقي للنهوض ومازالت كل المحاولات تعتمد على سياسات التبعية الاقتصادية للمشروع الرأسمالى الغربي وحلفائه الخليجيين ومعهم رموز الفساد بالداخل وبالطبع أى محاولة للإصلاح لا يمكن أن تأتى بثمارها إن لم تقم بقطيعة نهائية مع هذه السياسات ومواجهة حقيقية مع حلفاء المشروع الرأسمالى الغربي التابع بالداخل.

 رجال أعمال نظام مبارك هم كلمة السر للقضاء على دولة الفساد والتبعية فمتى يفعلها الرئيس السيسي ويدخل معركة مكافحة الفساد فى نفس الوقت الذى يكافح فيه الإرهاب, فالفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة, والله لو فعلها سيدخل التاريخ من أوسع أبوابه وسيجد ظهيرا شعبيا داعما لم يشهده من قبل أحد فى التاريخ, وتجربة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر ماثلة أمامه وبقوة فبعد ما يقرب من نصف قرن على الرحيل مازال هو أيقونة الفقراء والكادحين والمهمشين ليس فى مصر وحدها بل فى الأمة العربية والعالم أجمع, اللهم بلغت اللهم فاشهد.