د. محمد سيد احمد يكتب : السيسي يكبح السوق بالجيش !!
الاثنين 08 أغسطس 2016 10:16:35 مساءًمشاهدات(230)

 

منذ ثورة يوليو وحتى مطلع السبعينيات كانت مصر تسير وفق سياسة اقتصادية متوازنة تلعب فيها الدولة دورا رئيسيا كشريك فى العملية الانتاجية, وهو ما جعلها تتمكن من بناء تجربة تنموية مستقلة استطاعت أن تحقق أعلي معدلات للنمو فى حينه, والأهم هو توزيع عائد هذا النمو بما يحقق العدالة الاجتماعية وتذويب الفوارق بين الطبقات, وهو ما انعكس بشكل ايجابي على أوضاع الطبقات الفقيرة والكادحة, ومكنهم من تحقيق حراك اجتماعي صاعد, وقفز بأبناء العمال والفلاحين الذين قبعوا في أسفل السلم الاجتماعى لأجيال وأجيال الى أعلى, وبسرعة كبيرة تمكنوا من صعود درجات السلم الاجتماعى, وتركوا قاع المجتمع ليتمركزوا فى المواقع الطبقية الوسطى, ومنهم من تمكن من الصعود الى أعلى درجات السلم الاجتماعى من خلال كفاءته ومجهوده.

ومع مطلع السبعينيات قرر الرئيس السادات وتحت الضغوط الأمريكية التى رفض الخضوع لها الرئيس جمال عبد الناصر بل وقاومها حتى الرمق الأخير أن يتخلى عن تلك السياسات المنحازة للفقراء والكادحين, وبالفعل تخلى عن السياسات الاقتصادية الأقرب للاشتراكية والتى كانت تراعي الخصوصية البنائية والتاريخية للمجتمع المصري, وأعلن عن تبنيه لسياسة الانفتاح الاقتصادى والتى تعتمد على آليات السوق الحر, وبدأت الدولة رويدا رويدا تتخلى عن مسئوليتها تجاه مواطنيها فى كافة المجالات, ورحل الرئيس السادات بعد أن تكونت مجموعة من القطط السمان الذين كونوا ثروات بطرق غير مشروعة وفى زمن قياسي من خلال قربهم من مراكز الحكم ومن الرئيس السادات شخصيا.

 وجاء الرئيس مبارك وقرر السير على خطى سلفه, وبالفعل تفاقمت الازمة الاقتصادية بفعل سياسات الانفتاح الاقتصادى, ومع مطلع التسعينيات وأثناء البحث عن مخرج للأزمة, أعلن مبارك عن مشروع للإصلاح الاقتصادى وظن البعض أنه سيتخلى عن سياسة الانفتاح الاقتصادى لكنه كان قد قرر أن يخضع وبشكل كامل لتعليمات الولايات المتحدة الامريكية عبر روشتة صندوق النقد الدولى, ومنذ تلك اللحظة وأوضاع الفقراء والكادحين فى تدهور مستمر, حيث تخلت الدولة نهائيا عن مسئوليتها تجاه مواطنيها, بل بدأ التخلص من ثروات الشعب والمتمثلة في القطاع العام حيث قام بالبيع بالمخالفة للدستور وهى جريمة خيانة عظمى لو حوسب عليها مبارك لأعدم رميا بالرصاص, فقد ظل يبيع فى القطاع العام منذ العام 1991 وحتى العام 2007 فى ظل دستور يقرر أن للقطاع العام حرمة لا يجوز المساس بها, وعندما تعالت الأصوات مذكرة بهذه النصوص الدستورية قام بتعديل للدستور بعد ستة عشر عاما ألغي فيه هذه المواد.

ومع نهاية حكم مبارك كانت الأوضاع الاقتصادية للغالبية العظمى من المصريين قد وصلت لحد لا يمكن السكوت عليه فتعالت الأصوات والإضرابات والاعتصامات والاجتجاجات الفئوية وخرجت التظاهرات فى 25 يناير بعد أن وصل من يعيشون تحت خط الفقر وفقا للتقارير الدولية 41% هذا بخلاف من يعيشون فى حزام الفقر, هذا الى جانب تحول القطط السمان الى ديناصورات نهبت وسرقت قوت الشعب عن طريق قربها من مراكز الحكم, خاصة مبارك وأسرته زوجته وولداه.

وجاء المجلس العسكرى ولم تتغير السياسات الاقتصادية, وجاء من بعده محمد مرسي وجماعته ولم تتغير السياسات بل ظلت كما هى, وهو ما دفع الفقراء والكادحين للخروج مرة أخرى ثائرون فأطاحوا بمرسي وجماعته الذين حاولوا أن يحلوا محل ديناصورات نظام مبارك لكنهم فشلوا.

وجاء الرئيس السيسي وأعلن أنه على خطى عبد الناصر وتفاؤل الفقراء والكادحين, وانتظروا تغيير السياسات الاقتصادية لكنهم صدموا عندما أعلن الرئيس أنه سيعتمد على نفس السياسات الاقتصادية التى أفقرت الغالبية العظمى من المصريين على مدار الأربعة عقود الماضية, وهى السياسة الاقتصادية الرأسمالية وفقا لآليات السوق, والمؤسف حقا أن الرئيس يدرك إدراكا حقيقيا أن هذه السياسات مدمرة للفقراء والكادحين ولا يستطيعون مواجهتها فغول الأسعار يلتهمهم ويقذف بهم تحت عجلات قطار الديناصورات فيحطم عظامهم, ويؤكد الرئيس فى كل خطاباته أنه يبحث عن حلول لمواجهة آليات السوق واستغلال وجشع الديناصورات المفترسة, وأحد طرق المواجهة هو اللجوء للجيش لتوفير السلع والخدمات الأساسية للمواطنين لكبح آليات السوق.

وهنا نقول للرئيس هذه ليست مهمة الجيش وليست الطريقة المثلى للمواجهة, فالجيش له مهمة أكبر وأعظم وهى الدفاع عن التراب الوطنى خاصة وأن هناك حرب حقيقية يخوضها ضد الإرهاب العالمى فى سيناء هذا الى جانب التأهب لمواجهة الدواعش على الحدود الليبية والسودانية, الطريقة المثلى هى مواجهة رموز الفساد المتمثلة فى ديناصورات نظام مبارك الذين توازى ثرواتهم حجم الدين الداخلى والخارجى لمصر, ولابد من التخلى فورا عن السياسة الاقتصادية الرأسمالية, وتطبيق سياسة اقتصادية تمكن الدولة من التدخل لحماية الفقراء والكادحين بحيث تعيد تشغيل مصانع وشركات القطاع العام بحيث تكون الدولة شريكا فى عملية الانتاج, وقائدا لعملية التنمية, ورقيبا قويا على القطاع الخاص, وبذلك نكبح آليات السوق لصالح الفقراء والكادحين, اللهم بلغت اللهم فاشهد.