د. محمد سيد احمد يكتب : الفقراء وحدهم يدفعون الثمن !!
الاثنين 07 نوفمبر 2016 07:12:16 مساءًمشاهدات(158)

 

من خلال نظرة متعمقة ومراجعة نقدية لتاريخ الانسان على سطح المعمورة يمكننا أن نخرج باستنتاجات عامة مفداها أن الصراع الاجتماعى أحد أهم العوامل التى لعبت دورا فى تشكيل المجتمعات وتطورها, ودائما ما كان الصراع الاجتماعى يتشكل وتتبلور ملامحه بين طبقتين أو فئتين أو شريحتين الأولى محدودة العدد دائما لكنها تمتلك كل أدوات إدارة الصراع سواء كانت هذه الأدوات اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو دينية أو إعلامية, والثانية كبيرة العدد بل وتشكل الأغلبية فى أى مجتمع لا تمتلك أى شيئ من الأدوات السابقة فى مواجهة الأولى, لكنها تمتلك فقط قدرتها على الصراخ وبأعلى صوت عندما يفيض بها الكيل من شدة الظلم والقهر والاستبداد والإفقار المتعمد بعد نهب وسرقة حقوقها من قبل الطبقة أو الفئة أو الشريحة الأولى .

وجاءت كل الثورات الاجتماعية عبر تاريخ البشرية لرفع الظلم والقهر والاستبداد عن الطبقة أو الفئة أو الشريحة الثانية وتحقيق حد أدنى من العدالة الاجتماعية المفقودة بين الطرفين فى محاولة لتخفيف حدة الصراع الاجتماعى وتحقيق نسبة معقولة من التعايش والسلم الاجتماعى الذى يساعد على استمرار الحياة وتنمية وتطور المجتمعات بدلا من تخلفها وتدميرها . لذلك يمكننا التأكيد على أن الديانات السماوية والفلسفات والنظريات الانسانية الوضعية ما هى إلا ثورات اجتماعية هدفت لإحداث حد أدنى من العدالة بين الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية الظالمة والمظلومة والقاهرة والمقهورة والمستبدة والمستبد بها حتى تستمر الحياة الانسانية وتنمو وتتطور المجتمعات .

وبنظرة فاحصة للمجتمعات البشرية ستجد أنه كلما خفت حدة الصراع الاجتماعى بين الطبقات والفئات والشرائح المتصارعة وتحقق حد أدنى من العدالة الاجتماعية كلما خفت حدة الفرز الاجتماعى ونمت أعداد الطبقات والفئات والشرائح الوسطى داخل المجتمع, ومعها يحدث الاستقرار الذى يسمح بنهضة وتنمية وتطور المجتمعات الانسانية, وهذا هو حال المجتمعات الأكثر تقدما فى عالمنا اليوم. أما المجتمعات التى تشهد فرزا اجتماعيا بحيث تزداد فيها الهوة بين الأغنياء والفقراء بحيث تؤدى السياسات العامة المتبعة الى أن الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا, هنا تغيب الطبقة الوسطى وتزداد حدة الصراع الاجتماعى بين من يملكون كل شيئ وبين ما لا يملكون شيئا على الإطلاق, هذه هى المجتمعات الأكثر تخلفا والأقل نهضة وتنمية وتقدم .

ووفقا لرؤيتنا وطرحنا فالمجتمع المصري فى اللحظة الراهنة يمكن تصنيفه بين تلك المجتمعات الأكثر تخلفا, حيث يشهد فرزا اجتماعيا مستمرا بين فئة قليلة تسيطر اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ودينيا وإعلاميا, وبين غالبية عظمى من الشعب لا تملك من أمرها شيئ كل ما يمكنها أن تفعله هو الصراخ والخروج العشوائي خلف بعض القوى السياسية المنظمة التى تريد الاستيلاء على السلطة لتحل محل الفئة المسيطرة الآن وما الصراع بينهما إلا صراع على السلطة كما أكد على ذلك عالم الاجتماع الايطالى " باريتو "  ودائما ما يدفع الفقراء ثمن الصراع لكنهم لا يستفيدون شيئ, فصراع الصفوة السياسية مع بعضها على السلطة يختلف عن صراع هذه الصفوة السياسية مع الشعب, فكل الصفوات السياسية حين تصعد لسدة الحكم تعمل على تحقيق مصالح طبقتها وفئاتها وشرائحها على حساب الشعب, وهنا يدفع الفقراء وحدهم الثمن .

وفى المشهد المصرى الحالى الذى بدأ منذ 25 يناير كان هناك نوعين من الصراع الأول على مستوى الصفوة السياسية تبلور بين صفوتين الأولى صفوة جماعة مبارك الفاسدة والثانية صفوة جماعة الإخوان الإرهابية, وكلهما ينتمى للطبقة العليا داخل المجتمع التى تسعى للسيطرة والهيمنة على كل أدوات ممارسة القوة داخل المجتمع . والنوع الثانى من الصراع هو الصراع بين من يصعد للجلوس على سدة الحكم وبين الغالبية العظمى من شعب مصر من الفقراء والكادحين التى أفقرتهم سياسات نظام السادات – مبارك الانفتاحية الرأسمالية الفاشية المنحطة والتى مازالت تحكم حتى اللحظة, فما حدث بعد خروج الفقراء صارخين فى وجه مبارك فى 25 يناير مطالبين بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية, أنهم قد عادوا لبيوتهم ينتظرون ما طالبوا به فكان الثمن مزيد من المعاناة بعد صعود الإخوان لسدة الحكم, وعندما خرج الفقراء على مرسي فى 30 يونيو صارخين مطالبين بنفس المطالب ثم عادوا الى بيوتهم ينتظرون تحقيق مطالبهم فكان الثمن مزيد ومزيد من المعاناة بعد عودة جماعة مبارك لسدة الحكم .

واليوم تحاول جماعة الإخوان الإرهابية استخدام الفقراء مرة أخرى فى صراعها مع جماعة مبارك الفاسدة - التى تدعى أنها تقوم بإصلاح اقتصادى فعومت الجنيه وألغت الدعم على المحروقات فأغرقت الفقراء وحرقت قلوبهم - ليعودوا من جديد لسدة الحكم, لذلك على الفقراء أن يستوعبوا دروس التاريخ جيدا ولا يستجيبوا لهذه الدعوات التى لن يحصدوا من ورائها إلا مزيد من المعاناة فهم وحدهم يدفعون الثمن, وعليهم أن ينظموا صفوفهم ويخرجوا من بينهم طليعة يمكنها أن تدخل فى صراع مباشر مع جماعة مبارك وجماعة الإخوان, فالثورة الحقيقية تقوم بها طليعة منحازة الى الفقراء فعندما تصل للحكم تقوم بتحقيق مطالبهم وإعادة التوازن للخريطة الطبقية عبر سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية يدفع ثمنها من سرق ونهب قوت الشعب وبعدها ينتقل الفقراء الى الطبقات والفئات والشرائح الوسطى فينهض المجتمع وينموا ويتقدم, اللهم بلغت اللهم فاشهد .