أسامة داود يحذّر: أزمة الغاز لم تعد تجارية… بل مسألة سيادة
نحن لا ندير تجارة طاقة، بل ندير أزمة نقص إنتاج
لم تكن البيانات الأخيرة الصادرة عن وزارة البترول مجرد أخبار عابرة عن شحنات غاز تغادر ميناء إدكو إلى تركيا أو إيطاليا أو اليونان، ولا مجرد مشاهد لسفن تغييز ترسو في العقبة والعين السخنة لتغذية الشبكة القومية.
من يقرأ ما بين السطور يدرك أن هذه البيانات تخفي ما هو أخطر: أزمة عميقة في إدارة ملف الطاقة في مصر، أزمة تتجاوز الحسابات التجارية لتلامس سؤال السيادة على ما ننتجه ونستورده ونستهلكه.
خلال الأشهر الماضية، تبنّت الوزارة خطابًا يقوم على ثلاثة عناوين براقة:
تصدير الغاز المسال، استيراد الغاز لتأمين الاحتياجات، وتعزيز موقع مصر كمركز إقليمي للطاقة.
عناوين تبدو للوهلة الأولى إنجازات، لكنها عند تفكيكها اقتصاديًا تكشف مشهدًا مقلوبًا: نُصدّر غازًا، ونستورد غازًا، وفارق العملة لا يعود على الدولة إلا نزيفًا مستمرًا.
يبدو المشهد احتفاليًا مع كل بيان عن مغادرة ناقلات الغاز من إدكو إلى أوروبا. ففي أكتوبر ونوفمبر 2025 جرى تصدير شحنات تتراوح بين 150 و155 ألف مليون متر مكعب من مجمع الإسالة لصالح شركات مثل توتال وشل، ترافق ذلك عبارات رنانة عن صفقات التصدير وعودة “الغاز المصري” للأسواق الأوروبية.
ولوهلة، يبدو الأمر كأنه قصة نجاح لدولة مصدّرة للطاقة.
لكن القصة لا تكتمل هنا.
فبالتوازي مع هذه البيانات، كانت الوزارة تعلن عن وصول أربع سفن تغييز عائمة لاستقبال شحنات غاز مستوردة تُشترى بأسعار تقارب 15 دولارًا للمليون وحدة حرارية، مع تكاليف لوجستية شهرية تتجاوز 25 مليون دولار، فضلًا عن رسوم تأجير الأرصفة بالموانئ في السخنة ودمياط وسنوكر والعقبة.
وكل ذلك تحت شعار “تأمين الإمدادات” و”حلول استثنائية”.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى:
نُصدّر الغاز، وفي الوقت نفسه نستورد غازًا، نعيد تغييزه، ثم نبيعه محليًا مدعومًا وبالجنيه، لصناعات تُصدَّر منتجاتها للخارج بأسعار تقل أحيانًا عن تكلفة الغاز نفسه.
فماذا يعني اقتصاديًا أن نبيع سلعة بالدولار، ثم نشتريها بالدولار، ثم نعيد بيعها بالجنيه مدعومًا؟
هذه ليست تجارة طاقة، بل نزيف مقنّع لموارد الدولة، يُقدَّم للرأي العام على أنه إنجاز وتحول إلى مركز إقليمي للطاقة.
والمثير للسخرية أن إحدى الشحنات التي جرى تصديرها استُقبلت أولًا في العين السخنة، ثم أُعيد تغييزها، ونُقلت عبر الشبكة لمسافة تقارب 200 كيلومتر، ثم أُعيد تسييلها في إدكو، ثم صُدّرت مرة أخرى!
نصل هنا إلى المشهد الثالث، وهو ما ورد ضمنيًا في تصريحات الوزير كريم بدوي عن “تأمين السوق المحلي” و”الحلول الاستثنائية” و”تحفيز الشركاء لزيادة الإنتاج”.
اقتصاديًا، هذه المصطلحات تعني جملة واحدة واضحة: لا يوجد إنتاج كافٍ لتغطية الاستهلاك.
فلو كان هناك فائض حقيقي، لما احتجنا إلى الاستيراد ولا إلى سفن التغييز.
يبقى السؤال الجوهري: لماذا لا يوجد إنتاج كافٍ؟
الإجابة ليست فنية فقط، بل سياسية واقتصادية.
فلسفة إدارة القطاع خلال السنوات الماضية قامت على التقطير في سداد مستحقات الشركات الأجنبية، ما عطّل عمليات البحث والاستكشاف. ثم جاء تعديل عدد من الاتفاقيات لإرضاء الشركاء الأجانب تعويضًا عن تأخر السداد، وهو ما ترتب عليه نقل جزء كبير من حقوق الإنتاج لصالحهم على حساب الدولة، كما ظهر في بعض المفاوضات التي كان لكاتب هذه السطور شرف الكشف عن بعضها سابقًا، ومنها اصرار شركة اكسون موبل على تعديل اتفاقيات حقلى القاهرة ومصرى البحريين بشكل مجحف للجانب الوطنى وهو ما استدعى تدخل جهات معنية لمنع مزيد من التفريط.
وكانت النتيجة أن الشركاء الأجانب يحصلون على حصصهم ويُصدّرونها وفق مصالحهم، بينما تتحمل الدولة فاتورة الاستيراد، وفاتورة الدعم، وفاتورة الكهرباء.
وهكذا قاد قصر النظر في إدارة ملف الطاقة إلى نزيف يتجاوز 12 مليار دولار سنويًا لاستيراد الغاز، تعويضًا عن تراجع الإنتاج، في وقت لم تكن فيه مستحقات الشركاء المتأخرة تتجاوز نسبة محدودة من قيمة هذه الواردات.
هناك مشهد رابع لا يظهر في البيانات الاحتفالية ولا في جولات الوزير على متن سفن التغييز، وهو الفواتير الخفية التي تتحملها خزانة الدولة:
فاتورة استيراد الغاز بالدولار،
فاتورة إعادة التغييز والنقل،
وفاتورة دعم الكهرباء.
لنصل في النهاية إلى معادلة عبثية:
نُصدّر بالدولار، ونستورد بالدولار، وندعم بالدولار، ونُحصّل بالجنيه… ثم نعلن أننا نصدر الغاز!
وهنا يفرض سؤال نفسه: أي مركز إقليمي للطاقة هذا الذي يستورد ما يستهلكه ويُصدّر ما يحتاجه؟
في عام 2018 كان ملف الغاز حلمًا قوميًا، وكانت إدكو ودمياط عناوين فخر.
أما اليوم، فالصورة مختلفة: نحن لا ندير تجارة طاقة، بل ندير أزمة نقص إنتاج.
التصدير في حالة الفائض مكسب مشروع.
أما التصدير في حالة العجز فهو نزيف للعملة وتضليل للرأي العام.
وفي هذه المعادلة، الطرف الوحيد الرابح هو الشركات الأجنبية التي تستفيد من البنية التحتية المصرية، وتبيع حصصها في الأسواق الدولية، بينما تتحمل الدولة كلفة سد الفجوة.
وأخيرًا، تبقى الأسئلة المشروعة:
حين تتباهى الوزارة بشحنات الغاز المنطلقة من إدكو إلى أوروبا، من أين يأتي الغاز الذي يُشغّل محطات الكهرباء؟
وحين تتحدث عن تحفيز الشركاء، من يحدد أولويات الإنتاج: الدولة أم الشركات؟
وحين نرفع شعار المركز الإقليمي للطاقة، هل نملك فائضًا نُصدّره، أم نشتريه ثم نعيد بيعه؟
الطريق لاستعادة التوازن لا يمر عبر البيانات الاحتفالية، بل عبر رؤية إنتاج وطنية تعيد للدولة سيادتها على أهم مواردها، وتربط التصدير بفائض حقيقي، لا بفجوة تُسد بسفن تغييز وقروض وفواتير دعم.
