أسامة داود يكتب : الخروج عن النص في اجتماع «جاسكو»
في حضرة «الوزير كريم» .. الصمت من ذهب
إنتاج الغاز تراجع من 4.5 إلى أقل من 4 مليار قدم .. والزيت من 575 إلى 525 ألف برميل
كيف يصبح انخفاض الإنتاج مؤشرًا على نجاح “الخطة الخمسية الطموحة” ؟
الاكتشافات الجديدة “جعجعة بلا طحين” .. والحقول القديمة تقترب من سنّ المعاش
من يملك الشجاعة ليقول إن مصر بحاجة لبرنامج رفع إنتاج حقيقي لا عروض تقديمية؟
في اجتماع بعد ظهر أمس بقاعة شركة جاسكو، وأمام رؤساء الهيئتين البترول والثروة المعدنية
والشركات القابضة وأكثر من 70 رئيس شركة انتاج ومشروعات وبتروكيماوبات حتى بوتاجاسكو ، حدث ما لم يتوقعه حتى أكثر الكارهين للملل الوزاري: الوزير تخلّى - ولأول مرة - عن “المحاور الستة”.
تلك المحاور التي تحوّلت خلال الأشهر الماضية إلى ما يشبه نشيد الصباح لتلاميذ الابتدائي: نفس الكلمات، نفس الإيقاع، نفس الوعود.
لكن الرجل لم يخرج عن النص نحو إنتاج جديد أو اكتشاف ضخم أو بيانات مشجعة… بل خرج منه رأسًا نحو “استعراض إنجازات” جاءت على شاشة LED ، لكنها اصطدمت بأرض الواقع بسرعة لم تحتاج حتى إلى جاذبية نيوتن.
ففي خضم الحديث عن الإنجازات، أطلق الوزير أرقامًا تتحدث عن إنتاج شهوره الثمانية عشرة التى قضاها بالوزارة متناسيا أن تلك الكوكبة التى يخاطبها هى من تدرك حجم الإنتاج وتعى تفاصيله بإعتبارها القائمة على الامر.
كلمات الوزير التى استهدفت سرد نجاحات وانجازات حسبما سماها بدت أقرب إلى النعي منها إلى الاحتفال؛ لأن الأرقام التى يعرفها الجميع تتضمن.. إنتاج الغاز تراجع من 4.6 مليار قدم مكعب إلى أقل من 4 مليار، وأن إنتاج الزيت والمتكثفات انخفض من 575 ألف برميل إلى 525 ألفًا.
ورغم أن أي متابع بسيط لقطاع الطاقة يفهم أن الإنتاج حين ينزل فهذا يعني مشكلة، إلا أن العرض جاء بصيغة «إنجازات» تستحق التصفيق ، وكأن انخفاض الإنتاج أصبح مؤشرًا على النجاح أو دليلًا على “الخطة الخمسية الطموحة” التي تمتد حتى 2030!
ولم يكتف الوزير بذلك، بل أضاف بجديةٍ تليق بلحظة إعلان نتائج الحرب: "القادم أصعب".
عبارة تصلح لتكون عنوان فيلم سينمائي عن غزو فضائي، لكنها قيلت هذه المرة لتحفيز القيادات على “الاستعداد”.
الاستعداد لأي شيء؟ لا أحد يعرف.
فالاكتشافات الجديدة ، إن وُجدت ، “جعجعة بلا طحين”، بينما التراجع في الإنتاج أصبح هو العنوان الرئيسي، والحقول القديمة تقترب من سنّ المعاش، وحقول المتوسط تنتظر استثمارات لا تأتي إلا بشروط قد لا تناسب أحدًا.
والمدهش أنه رغم كل هذه الأرقام الثقيلة، لم ينطق أحد من رؤساء الشركات ولا من قيادات الهيئات بكلمة تعليق لا تعقيب ولا نقاش ولا محاولة تجميل.
ليس لأن الكلمات نفدت، بل لأن الجميع تعلم بالتجربة أن في حضرة “الخواجة كريم”… الصمت من ذهب. فالأسئلة في هذا القطاع مكلفة، والتعليقات أكثر كلفة.
أما على مستوى الخطاب الرسمي فالصورة وردية:
100 بئر استكشافي هذا العام
500 بئر حتى 2030
تحفيزات استثمارية قُريبًا
مسح سيزمي
جاهزية لاستقبال الغاز القبرصي الذى يمر علينا كمرور الماء على الظمآن دون أن يستطيع الارتواء منه.
تأمين صيف 2026
تحية لرجال الحقول
وتأكيد على الصحة والسلامة المهنية
تمام… هذا جميل جدًا ومهم على الورق. لكن من يملك الشجاعة ليقول إن مصر بحاجة لبرنامج رفع إنتاج حقيقي لا برنامج عروض تقديمية؟
الغريب أن الوزير نفسه يقرّ بأن 18 شهرًا قضاهما في القطاع كانت مليئة بـ “الإنجازات”، لكنه فقط نسي أن الإنجاز في قطاع البترول شيء بسيط جدًا: إما ترفع الإنتاج أو لا شيء.
أما “الخطة الخمسية” فلن تقي البلاد من فاتورة الاستيراد إذا استمر المنحنى الهابط الذي نراه الآن.
المفارقة أن كل ما هو إيجابي في اللقاء لا يتعلق بالإنتاج، بل بالسفن العائمة والتغييز والمناورة مع الصيف والكهرباء. وهذه أمور مهمة بالفعل، لكنها إدارة أزمة وليست نموًا في الإنتاج.
والواقع أن قطاع البترول اليوم يقف عند مفترق طرق: إما أن يعترف بمشكلة الإنتاج، ويواجهها بحوافز واقعية واستثمارات صريحة وتعاقدات جريئة ، أو أن يستمر في سياسة “المحاور الستة” و”الشاشات الكبيرة” و”القادم أصعب”.
والطريف هنا أن الوزير نفسه يختصر الإجابة: نعم القادم أصعب إذا استمر التراجع ذاته الذي يسمّى خطأً إنجازًا.
لكن فى نهاية الأمر .. الاستعراض لا يصنع غازًا ، والشاشات لا ترفع إنتاجًا ، والمحاور الستة لا تكفي لإدارة قطاع بترول ، والإنجاز الحقيقي يبدأ من رأس البئر… لا من رأس المنصة الإعلامية
أما الآن فلدينا إنتاج ينخفض واستهلاك يرتفع وصيف قادم.
وأخشى ما أخشاه أن تصبح “خطة 2030” مجرد خطة لتأمين واردات الغاز بدلًا من خطـة لزيادة الإنتاج ، عندها فقط سنعرف أن “الخروج عن النص” في ذلك الاجتماع لم يكن مجرد صدفة ، بل كان علامة.
