أسامة داود يكتب : تغييرات البترول .. بداية إصلاح أم ارتباك إداري؟
استبعاد قيادات ذات وزن فني، ونقل بعضها خارج ديوان الوزارة .
لماذا تم تغيير رئيس كارجاس بعد أقل من ستة أشهر فقط على توليه الموقع؟
لم يكن قطاع البترول يومًا مجرد مجموعة من المناصب تُنقل من يدٍ إلى أخرى بقرار إداري مفاجئ، بل كان – لعقود – مدرسة إدارية قائمة على تقاليد راسخة: الاحترام، والتقدير، والحوار المباشر مع القيادات قبل اتخاذ القرار بشأنهم.
تقاليد استمرت حتى عهد الراحل المهندس شريف إسماعيل، حيث كان تغيير أي موقع قيادي يسبقه لقاء وتقييم ومناقشة وفهم لطبيعة الدور الجديد، ووزن الرجل الذي يتم نقله. لأن المواقع في البترول لم تكن مجرد «كراسٍ»، بل منظومات تحتاج إلى خبرة متراكمة.
لكن ما جرى في التغييرات الأخيرة التي أجراها الوزير المهندس كريم بدوي، يكشف عن نمط مختلف تمامًا في إدارة الحركة القيادية داخل القطاع؛ نمط يقوم على المفاجأة، والإخطار عبر بيان صحفي مسائي، وقرارات بدت وكأنها صيغت في غرف مغلقة دون إبلاغ المعنيين بها مسبقًا.
وهنا يبدأ السؤال الكبير:
هل نحن أمام إعادة هيكلة… أم إعادة توزيع أشخاص؟
يشيد الوزير بخبرة المهندس محمود عبد الحميد، رئيس الشركة القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس»، وأهمية الرجل فى ظل دور الشركة المحوري في تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة وضمان تلبية الاحتياجات المحلية… ومع ذلك، انتهى الأمر بتعيينه مستشارًا محدود التأثير.
أليس الأولى أن يُستفاد من خبراته في موقعه الفعلي بدلًا من نقله إلى منصب محدود الفاعلية؟ وطالما هو من الكفاءات النادرة، فلماذا لم يُطبق عليه ما يُطبق على غيره؟
هل هذا هو منطق الاختيار الفني السليم؟
أم من المنطقي إخلاء مواقع حيوية وخطيرة بحجم: وكيل الوزارة للسلامة والصحة المهنية، وكيل الوزارة للغاز الطبيعي، وكيل الوزارة للنقل والتوزيع، وكيل الوزارة للثروة المعدنية… ثم إسناد بعضها إلى قيادي واحد ليجمع أكثر من موقع في يده؟
هنا يطرح السؤال الإداري الجوهري نفسه:
هل الهدف تعظيم الكفاءة… أم تفريغ المواقع من مضمونها؟
القاعدة الإدارية المستقرة تقول إن تعدد المواقع في يد قيادي واحد هو أقصر الطرق لإفشاله، عبر تبديد جهده وتشتيت تركيزه.
وأمامنا نموذج سابق حين أُسندت عدة مهام متراكمة إلى أحد القيادات، فأدى ذلك إلى إعاقته رغم ما كان يملكه من قدرات واضحة، وكان يمكن الاستفادة منه في ملفات فنية تخصصية أجادها بالفعل.
فكيف يمكن لشخص واحد أن يدير ملفات السلامة والصحة المهنية، ويتحدث رسميًا باسم الوزارة، ويتابع ملفات فنية متخصصة في الوقت نفسه؟
ما جرى لا يبدو مجرد حركة تنقلات، بل أقرب إلى تفريغ لمواقع كانت تمثل أعمدة فنية داخل الوزارة.
استبعاد قيادات ذات وزن فني واضح، ونقل بعضها خارج ديوان الوزارة، يفتح بابًا لأسئلة لا يمكن تجاهلها:
هل أصبحت الخبرة الفنية عبئًا؟
هل المطلوب قيادات تنفيذية… أم قيادات صامتة؟
هل أصبح الخوف من بروز بعض الأسماء سببًا في إبعادها؟
حين يُسند موقع وكيل الوزارة للثروة المعدنية إلى مسؤول الشؤون القانونية، مع إشرافه على النقل والتوزيع والغاز الطبيعي… يصبح السؤال ضروريًا:
ما هو المعيار الفني في هذه الاختيارات؟
أين التخصص؟ وأين تراكم الخبرات التي كانت تمثل العمود الفقري لإدارة القطاع؟
وفي التغييرات الأخيرة، تبرز حالة شركة «كارجاس» كدليل إضافي على الارتباك: استبعاد رئيسها بعد أقل من ستة أشهر فقط، دون منحه فرصة حقيقية للحكم على أدائه.
هل كانت المشكلة في الرجل… أم في آلية الاختيار من الأساس؟
والآن نقف على أعتاب إخلاء موقع وكيل الوزارة للإنتاج مع اقتراب أحد القيادات البارزة من سن التقاعد، دون إعلان واضح عن التجديد أو طرح بديل قادر على إدارة الملف.
والسؤال: هل تكون هناك مفاجأة بنقل رئيس هيئة البترول إلى هذا الموقع تمهيدًا لإبعاده عن الأضواء؟
وهل يجري في الوقت نفسه تفريغ هيئة البترول من دورها التاريخي تمهيدًا لإعادة رسم خريطتها؟
تناقضات يصعب تجاهلها
الوزير يتحدث في لقاءاته عن الحوكمة والكفاءة وتعظيم الأداء واحترام الكوادر… بينما تصدر حركة تغييرات بلا تمهيد، بلا تقييم معلن، وبلا منطق تخصصي واضح، وبأسلوب مفاجئ يفتقد أبسط قواعد الاحترام الإداري التي عرفها القطاع لعقود.
تساؤلات تفرض نفسها:
لماذا تم تفريغ مواقع وكلاء وزارة كاملة بدلًا من شغلها بكفاءات؟
كيف يمكن لقيادي واحد إدارة هذا الكم من الملفات الفنية المتباينة؟
ما المعايير الفنية التي تم على أساسها اختيار القيادات الجديدة؟
لماذا تم إبعاد قيادات ذات ثقل فني من ديوان الوزارة؟
هل يجري تفريغ هيئة البترول من دورها التاريخي؟
لماذا يتم استبعاد قيادات بعد شهور قليلة من تعيينها؟
هل الهدف إعادة الهيكلة… أم إعادة تشكيل مراكز القوى داخل الوزارة؟
في النهاية، ما جرى لا يبدو كحركة تغييرات تقليدية، بل كتحول في فلسفة إدارة القطاع:
من إدارة المواقع بالكفاءات… إلى تدوير الكفاءات بالمواقع.
والفارق بينهما كبير وخطير.
في الأولى نرفع قيمة الموقع بالكفاءة المناسبة، وفي الثانية نُضعف الموقع بأشخاص غير مناسبين… فتُهدم المؤسسات.
قطاع بحجم البترول لا يُدار بمنطق المفاجآت، ولا بمنهج الأرض المحروقة، بل بتراكم الخبرة واحترام الرجال قبل القرارات.
ويبقى السؤال معلقًا:
هل هذه التغييرات بداية إصلاح… أم بداية ارتباك إداري سيدفع القطاع ثمنه لاحقًا؟
