أسامة داود يكتب: محمود فوزي… الوزير الذي غادر وبقيت قِيَمُه في المكان

أسامة داود يكتب: محمود فوزي… الوزير الذي غادر وبقيت قِيَمُه في المكان


لم أتمنَّ بقاء وزير في موقعه كما تمنيت بقاء المستشار محمود فوزي وزير الشؤون البرلمانية.

لم تكن الأمنية متعلقة بمنصب، ولا برغبة في استمرار شخص بعينه، بل كانت رغبة في استمرار نموذج.

نموذج لرجل دولة يحمل في حضوره قيمًا ومبادئ، يُذكر من حوله ـ داخل الحكومة وخارجها ـ بأن المسؤولية ليست سلطة، بل التزام أخلاقي قبل أن تكون صلاحيات تنفيذية.


في وقتٍ تتزايد فيه مشاعر الغضب لدى الناس من قرارات تُثقل كاهلهم، وتبدو أحيانًا كأنها سياط من الجباية، كان وجود محمود فوزي داخل الحكومة أشبه بطمأنينة هادئة… تقول إن هناك من يفهم معنى الدولة، ويدرك أن الصالح العام ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية في التفاصيل.

عرفت المستشار محمود فوزي منذ سنوات طويلة.

عرفته نائباً لرئيس مجلس الدولة ثم موظفًا عامًا من طراز نادر… لا يتقدم خطوة إلا وقد وزن أثرها، ولا يتحدث إلا بميزان القانون، ولا يتصرف إلا بوعي رجل يعرف أن المنصب عابر، لكن الأثر باقٍ.

حين تولى الأمانة العامة لمجلس النواب، كان مثالًا للإدارة المنضبطة الهادئة، التي تعمل دون ضجيج، وتنجز دون استعراض.

ثم جاء إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، في وقتٍ كانت فيه مئات تراخيص المواقع الإلكترونية متوقفة، وأصحابها بين الحيرة والانتظار، وبعضهم فقد مصدر رزقه بعد توقف صحفه الورقية.

هناك، ظهر معدن الرجل.

لم يتعامل مع الملفات بوصفها أوراقًا متراكمة على مكتب، بل بوصفها حكايات بشر، وبيوتًا تعتمد على تلك التراخيص كي تستمر.

شكّل فرق عمل من القيادات، ووجّه بمراجعة دقيقة وأمينة لكل طلب. لم يكن الهدف التعقيد، بل التصحيح. لم يكن الغرض التعطيل، بل التقنين.

تمت مخاطبة القائمين على المواقع واحدًا تلو الآخر، لاستكمال ما يلزم من أوراق أو إجراءات، طالما حصلوا على الموافقات الأمنية.

وبالفعل، صدرت التراخيص، وعادت الحياة إلى مواقع كانت على وشك الإغلاق، وعاد عشرات الصحفيين إلى أعمالهم بعد أن ضاقت بهم السبل.

لم يكن ذلك قرارًا إداريًا فحسب، بل كان موقفًا إنسانيًا يُجسد فهمًا عميقًا لدور الدولة في حماية فرص العمل، ودعم المهنة، واحترام القانون في آنٍ واحد.

محمود فوزي لا يرفع صوته، لكنه يُسمِعك منطقه.

لا يتصدر المشهد، لكنه يصنع الفرق في الكواليس.

لا يبحث عن الأضواء، لكن حضوره يفرض الاحترام.

في تواضعه، ترى المسؤول المحترم. وفي هدوئه، ترى رجل القانون، وفي أدائه، ترى فنانًا يُتقن العمل العام دون ادعاء.

لهذا تمنيت بقاءه.

ليس لأن الوزارات لا تُدار بدونه، ولكن لأن وجوده كان يضيف للحكومة شيئًا نادرًا: القيمة.

رحل محمود فوزي عن موقعه، لكن بقيت سيرته نموذجًا يُحتذى، وبقيت طريقته في العمل درسًا لكل من يتولى مسؤولية عامة.

إنه من الرجال الذين يغادرون مناصبهم… ويبقون في الذاكرة.