أسامة داود يكتب: معادلة الوقود في مصر... استيراد مكلف ومعامل تكرير غير مستغلة.

أسامة داود يكتب: معادلة الوقود في مصر... استيراد مكلف ومعامل تكرير غير مستغلة.

بين استيراد الوقود وتكرير الخام… أين تضيع المليارات؟

قرار تحريك أسعار المنتجات البترولية في السوق المصرية غالبًا ما يُسوق رسميًا بأنه نابع من ارتفاع أسعار الزيت الخام عالميًا. لكن القراءة المتأنية للأرقام تكشف أن معادلة الوقود لم تعد مرتبطة بسعر الزيت الخام وحده، بل أصبحت محكومة بثلاثة عناصر رئيسية: سعر الخام، وعائد التكرير، وكفاءة تشغيل المعامل.

والأحداث الأخيرة في سوق الطاقة العالمي تقدم مثالًا صارخًا على هذا التحول.

قفزة صاروخية في أسعار السولار

في نهاية ديسمبر 2025 كان سعر طن السولار في الأسواق العالمية نحو 640 دولارًا. لكن خلال أقل من ثلاثة أشهر، وتحديدًا في مارس 2026، ارتفع السعر إلى نحو 1160 دولارًا للطن، أي زيادة تجاوزت 520 دولارًا، بنسبة تقارب 80٪.

هذه القفزة الكبيرة لم تأتِ من فراغ، بل تعكس تضافر عدة عوامل: التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين، ونقص الطاقات التكريرية في بعض مناطق العالم.

اضطرابات سلاسل الإمداد

المفارقة أن أسعار المنتجات البترولية ارتفعت بوتيرة أسرع من الزيت الخام نفسه، وهو ما يجعل معامل التكرير الرابح الأكبر. ففي الظروف الطبيعية، كان هامش ربح المعامل يتراوح بين 2 و10 دولارات للبرميل. أما اليوم، ومع تقلص الطاقات التكريرية عالميًا، فقد ارتفعت الهوامش إلى 15–40 دولارًا للبرميل، نتيجة توقف عدد من المعامل حول العالم، لا سيما تلك المعتمدة على خامات الشرق الأوسط، ما أدى إلى فقدان نحو 30٪ من الطاقة التكريرية العالمية في بعض الفترات، وارتفاع أسعار الوقود النهائي بوتيرة أسرع من النفط الخام.

استيراد الوقود أم تكرير الخام؟

الدول التي تستورد المنتجات البترولية الجاهزة تتحمل سعر النفط الخام، وهامش التكرير، وتكاليف النقل والتأمين. أما الدول التي تكرّر الخام محليًا، فتحتفظ بجزء كبير من هذه الهوامش داخل اقتصادها. ومن هنا تظهر أهمية معامل التكرير في معادلة أمن الطاقة.

مصر، على سبيل المثال، تمتلك شبكة من 9 معامل تكرير موزعة بين الإسكندرية، السويس، القاهرة، أسيوط، وطنطا، وتشمل معامل كبيرة مثل ميدور. وتصل الطاقة التصميمية لهذه المعامل إلى نحو 40 مليون طن سنويًا.

لكن الغريب أن الإنتاج الفعلي لا يتجاوز في المتوسط 25 مليون طن سنويًا، أي أن نحو 15 مليون طن من الطاقة التكريرية لا يتم استغلالها.

هذا خلل حقيقي في إدارة معامل التكرير، مع العلم أن صناعة التكرير كثيفة الاستثمار وتعتمد على معدات وبنية تحتية ضخمة متوفرة. جزء كبير من تكلفة التشغيل يمثل تكاليف ثابتة مثل الأجور، الصيانة، استهلاك المعدات، وتمويل التشغيل. وكلما انخفضت معدلات التشغيل، يتم تحميل نفس التكاليف على إنتاج أقل، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج لكل طن من الوقود.

كم تخسر مصر سنويًا؟

إذا افترضنا أن الفارق بين الطاقة التصميمية والإنتاج الفعلي يبلغ نحو 15 مليون طن سنويًا، فإن هذه الكمية تعادل تقريبًا 110 ملايين برميل بترول سنويًا. وباعتبار تكلفة تكرير البرميل تتراوح عالميًا بين 15 و40 دولارًا، فإن القيمة الاقتصادية المهدرة قد تصل إلى حوالي 2 مليار دولار سنويًا ... أي ما يعادل 100 مليار جنيه.

وهذا الرقم لا يشمل الأرباح المباشرة فحسب، بل يتضمن أيضًا الخسائر الناتجة عن استيراد المنتجات البترولية الجاهزة بأسعار مرتفعة بدل الاستفادة من الطاقات المحلية القائمة، وهو ضغط إضافي على العملة الصعبة وخزانة الدولة، في وقت يمكن فيه تحسين الاستغلال عبر تشغيل المعامل بكامل طاقتها من الإسكندرية إلى الصعيد، ومن السويس إلى دلتا مصر.

نسأل وننتظر شجاعة الرد من وزير البترول.

في ضوء تلك المعطيات تطفو على السطح تساؤلات هامة.

لماذا لا تعمل معامل التكرير المصرية بكامل طاقتها التصميمية؟

ولماذا تُستورد المنتجات البترولية الجاهزة بأسعار مرتفعة بينما توجد طاقات تكريرية محلية غير مستغلة؟

هل تتجه هيئة البترول إلى تعظيم الاستفادة من الطاقات التكريرية المحلية وتشغيل المعامل بكامل قدرتها، مع زيادة الاعتماد على شراء النفط الخام وتكريره محليًا؟

أم سيظل الاعتماد الأكبر على استيراد المنتجات البترولية الجاهزة من الأسواق العالمية؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط تكلفة الوقود في السوق المحلي، بل ستحدد أيضًا مدى قدرة مصر على إدارة أمنها.

هذه الأسئلة ليست مجرد انتقاد، بل دعوة لمراجعة اقتصادية دقيقة لإدارة ملف التكرير، وتحويل الموارد المهدرة إلى قيمة حقيقية تخدم الاقتصاد والمواطن على حد سواء.