أسامة داود يسأل: هل تتحول الاتفاقيات البترولية إلى مظلة لمكافأة الشريك غير الملتزم؟

أسامة داود يسأل: هل تتحول الاتفاقيات البترولية إلى مظلة لمكافأة الشريك غير الملتزم؟


هل تحولت شمال الزعفرانة إلى صفقة خاسرة للدولة؟

من يحاسب على تراجع نصيب الدولة؟

قراءة رقمية تكشف كيف تضاعفت مزايا الشريك… وتراجعت حصة الدولة تحت لافتة “تشجيع الاستثمار”

تعجبتُ - وربما ليس وحدي - عندما طالعت تقرير اللجنة المشتركة من لجان الطاقة، والشؤون الدستورية والتشريعية، والخطة والموازنة بمجلس النواب، بشأن مشروع القانون المقدم من الحكومة للترخيص لوزير البترول في التعاقد مع الهيئة المصرية العامة للبترول، وعدد من الشركات الأجنبية، لتعديل اتفاقية الالتزام الصادرة بالقانون رقم 168 لسنة 2018، والخاصة بالبحث عن البترول وتنميته واستغلاله في منطقة شمال الزعفرانة بخليج السويس.

فما بدا للوهلة الأولى تعديلًا فنيًا، تكشف القراءة المتأنية لبنوده أنه أقرب إلى إعادة توزيع صامتة للثروة، تميل كفتها بوضوح لصالح الشريك الأجنبي، وعلى حساب نصيب الدولة المصرية.

الأرقام تتحدث

الاتفاقية الأصلية نصّت على مدة 10 سنوات تبدأ في 17 يناير 2018، على أن يلتزم الشريك خلال السنوات الخمس الأولى – التي انتهت في يناير 2023 – بضخ استثمارات قدرها 65.3 مليون دولار في أعمال البحث، إلى جانب استبدال وحدة الإنتاج والتخزين والتفريغ (FPSO).

كما حددت الاتفاقية سقف استرداد التكاليف بنحو 40% من الإنتاج، على أن يتم توزيع فائض الاسترداد بنسبة 85% للهيئة و15% للشريك، بينما يتم اقتسام “زيت الربح” من الـ60% المتبقية بنسبة تتراوح بين 20% إلى 25% للشريك، مقابل 75% إلى 80% للهيئة، وفقًا لأسعار الخام.

لكن، ورغم أن الاتفاقية لا تزال سارية حتى يناير 2028، فوجئنا بطلب تعديلها وتجديدها لمدة 20 عامًا بأثر رجعي يبدأ من تاريخ سريانها الأصلي في 2018، مع فترة امتداد إضافية.

التعديل: مكافأة على عدم الالتزام؟

الأكثر إثارة للدهشة أن التعديل جاء في وقت لم يلتزم فيه الشريك بتنفيذ تعهداته الأصلية؛ إذ انتهت السنوات الخمس الأولى دون ضخ الاستثمارات المتفق عليها (65.3 مليون دولار)، ودون استبدال وحدة الـFPSO.

ورغم ذلك، لم تُفعّل أدوات المحاسبة، بل جرى – على العكس – إعادة جدولة الالتزامات ومنح الشريك مهلة جديدة، حيث نص التعديل على إنفاق 70 مليون دولار خلال عشر سنوات، أي تمديد المدة إلى الضعف تقريبًا مقابل زيادة محدودة لا تتجاوز 4.7 مليون دولار.

بل إن توزيع هذا المبلغ يكشف مزيدًا من التراخي؛ إذ خُصص 10 ملايين دولار فقط لحفر بئرين قبل عام 2028، إلى جانب استبدال وحدة الإنتاج، وهو ما يعني عمليًا منح الشريك فرصة جديدة للاستفادة من الحقل لسنوات أطول، مقابل تنفيذ نفس الالتزامات المؤجلة منذ 2018.

قفزة في استرداد التكاليف… وتآكل نصيب الدولة

التعديل لم يقتصر على إعادة جدولة الالتزامات، بل حمل تغييرات جوهرية في الهيكل المالي للاتفاقية: منها تثبيت استرداد التكاليف عند 40% من الإنتاج.. خفض نصيب الهيئة من فائض الاسترداد من 75% إلى 70%، مقابل رفع حصة الشريك من 20% إلى 25%.

تعديل معادلة اقتسام زيت الربح بحيث ترتفع حصة الشريك إلى ما بين 28% و32%، مقابل 68% إلى 72% للهيئة.

وباحتساب هذه التعديلات، يتضح أن الشريك سيحصل فعليًا على زيادة لا تقل عن 5% من الإنتاج، وبأثر رجعي منذ 2018، أي أنه سيستفيد من كميات سبق إنتاجها بالفعل وفق شروط أكثر سخاءً.

معادلة الإنتاج… من 12 مليون إلى40 ألف برميل فقط!

الأكثر غرابة أن التعديل خفّض شروط حصول الشريك على أعلى نسبة من زيت الربح بشكل غير مسبوق، ففي الاتفاقية الأصلية كان حصول الشريك على الحد الأدنى من نسبته (20%) مشروطًا بإنتاج لا يقل عن 12 مليون برميل سنويًا.

في التعديل: أصبح بإمكانه الحصول على النسبة الأعلى 32% عند مستويات إنتاج تبدأ من 900 ألف برميل، أو زيادات ربع سنوية لا تتجاوز 10 آلاف برميل او 40 ألف سنويًا.

هذا التحول يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل نحن بصدد تحفيز الاستثمار… أم إعادة صياغة المعايير بما يضمن تعظيم أرباح الشريك بغض النظر عن مستوى الأداء؟

حرية التصرف في الإنتاج

يبقى البند الأخطر في التعديل هو منح الشريك حق التصرف الكامل في حصته من البترول - بيعًا أو تصديرًا - دون الرجوع إلى الهيئة.

هذا التحول يمثل قطيعة مع ما استقرت عليه الاتفاقيات البترولية، التي تضمن للدولة حق شراء حصة الشريك لتغطية احتياجاتها المحلية، غالبًا بأسعار تفضيلية.

أما الآن، وفي ظل فجوة طاقة تعاني منها مصر، فقد يصبح من حق الشريك تصدير إنتاجه للخارج، بينما تضطر الدولة إلى الاستيراد بأسعار السوق العالمية، دون أولوية للحصول على هذا الإنتاج.

هنا لا نتحدث فقط عن بند اقتصادي، بل عن قرار يمس صميم أمن الطاقة والسيادة على الموارد.

أسئلة … تنتظر إجابة

ما بين تمديد غير مبرر، وتخفيف للالتزامات، وزيادة في المزايا، وتنازل عن أدوات السيادة على الإنتاج، تبرز مجموعة من التساؤلات التي لا يمكن تجاهلها:

لماذا يتم تعديل اتفاقية لا تزال سارية قبل انتهاء مدتها؟

كيف يُكافأ شريك لم يلتزم بتعهداته؟

ما مبررات التنازل عن نسب من نصيب الدولة في ظل الضغوط الاقتصادية؟

ولماذا يُمنح الشريك حرية التصرف في الإنتاج في وقت تعاني فيه الدولة من فجوة طاقة؟

وأخيراَ... ما أطرحه هنا ليس حكمًا نهائيًا، بل محاولة لقراءة الأرقام كما وردت في التقرير الرسمي، وتسليط الضوء على اتفاقية تتجاوز - في تقديري المهني - حدود المقبول.

ومن ثم، فإن فتح هذا الملف من قبل الجهات الرقابية المختصة لم يعد ترفًا، بل ضرورة… ليس فقط لضمان سلامة الإجراءات، ولكن أيضًا لطمأنة الرأي العام، وصون حق الدولة في إدارة ثرواتها الطبيعية بما يحقق المصلحة الوطنية.

وللحديث بقية