أسامة داود يكتب: حين تتحول الكهرباء إلى اتهام… من يحاسب على الاستهلاك الوهمي؟ ( 4 )
هل أصبحت الكهرباء أداة لإنتاج المخالفات؟
بين العداد الكودى والمحضر... قصة ظلم متكرر
حين يتحول السكن إلى شبهة
لماذا لا يتم مراجعة المنظومة بالكامل؟
اختلال معادلة المساءلة في قطاع الكهرباء
الفقد بين التعريف العلمي والتوظيف الإداري
من يحاسب شركات الكهرباء؟
هل تعالج الوزارة العجز على حساب المواطن؟
في ملف الكهرباء، لم تعد الأزمة مجرد أرقام تُكتب في فاتورة ، بل أصبحت رواية كاملة تُصاغ على الورق، ثم تُفرض على المواطن باعتبارها حقيقة.. المشكلة لم تعد : كم استهلكت؟.. بل أصبحت: من الذي قرر أنك استهلكت؟… وعلى أي أساس؟.. القصة تبدأ من رقم لا من عداد.
الجباية تحت غطاء القانون
في الأصل، قياس استهلاك الكهرباء له قاعدة بسيطة.. عداد يرصد الاستهلاك الفعلي، ثم تُحسب الفاتورة بناءً عليه.. أو أن يتم صرف العدادات الكودية للمبانى المخالفة وهو عداد مؤقت وهو ما يقوم المواطنون بالتقديم عليه ولكن يتم تأجيل التركيب شهور وربما سنوات وفى هذه الحالة يتم عمل محاضر سرقة كهرباء للمواطن دون أن يتم توجيه اللوم لهندسات الكهرباء التي ترفض او تؤجل تركيب العداد وكأنها تريد بذلك مبرراً لتحرير محاضر تتضمن مبالغ كبيرة يصعب على أى مواطن تحملها ، كما أنها تخاصم العقل والمنطق حيث يتم في هذه الحالة اللجوء إلى تقديرات نظرية تفترض أن جميع الأجهزة داخل المنزل تعمل بكامل طاقتها… وعلى مدار 24 ساعة يوميًا
بمعنى أوضح.. إذا كان لديك حمل كهربائي قدره 15 كيلو وات، يتم التعامل معه وكأنه يعمل دون توقف طوال الـ 24 ساعة أيا كان، فالتكييف لا ينطفئ ، الغسالة تعمل بلا توقف وكذلك السخان يعمل على مدار الساعة والنتيجة؟
أرقام استهلاك قد تصل إلى 48 كيلو يوميًا… بينما الاستخدام الفعلي قد يكون أقل بكثير.
.. بينما تقول القواعد التي كانت تسير وفقها الكهرباء أن يتم ضرب اجمالى الأحمال في 25% لمن تقدم للحصول على عداد ولم يتم تركيبه وبالتالي يكون الاستهلاك التقديرى للمواطن هو 25% من إجمالى القدرات الموجودة لديه.
وهنا، لا نتحدث عن فرق حسابي بسيط… بل عن فجوة تتحول إلى اتهام.
حين يصبح التقدير دليل إدانة
الأخطر أن هذه التقديرات لا تبقى مجرد أرقام… بل تتحول إلى محاضر رسمية ، ومن المحضر… تبدأ رحلة الاتهام: سرقة كهرباء ، غرامات ضخمة ، وتوصيف قانوني يصل إلى “جريمة مخلة بالشرف” ولتتوقف كل معاملاتك مع كافة الجهات ، الفلاح يفقد التعامل بكارت الفلاح الذكى وتمنع من الحصول على التموين ..
وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن لتحليل نظري أن يتحول إلى دليل جنائي؟
الحل موجود… لكن لا يُستخدم ..المفارقة أن الحل بسيط وواضح: هو أن يتم تركيب عداد فعلي، وتركه يسجل الاستهلاك الحقيقي لمدة زمنية كافية 3 أشهر مثلًا حسب رأى جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك ثم استخراج متوسط الاستهلاك، ليتم احتساب المدة السابقة على أساسه.
هذا هو الأساس العادل… وهذا هو ما يضمن حق الدولة والمواطن معًا.
لكن في الواقع، يتم تجاوز هذا الحل، والاعتماد بدلًا منه على تقديرات قد لا تعكس الحقيقة.
العداد الكودي… حل أم عبء إضافي؟
المواطن الذي يحاول الالتزام، ويتقدم للحصول على عداد كودي، يفاجأ بمشكلة أخرى.. فالعداد الكودي الذي يُفترض أنه وسيلة مؤقتة لتنظيم الاستهلاك يُحاسب غالبًا وفق أعلى شريحة سعرية.. وهو إجراء يمثل نوعاً من الابتزاز للمواطن ويتناقض مع الحق الدستورى له.
بمعنى أدق هو غير دستورى ويتطلب ان يلجأ المواطنون إلى جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وكذلك الى القضاء .
أي أن المواطن، لا يحصل على خدمة مستقرة وقد يُزال العداد في أي وقت
ومع ذلك، يُحاسب بأقصى تكلفة ممكنة .. وهو ما يطرح تساؤلًا منطقيًا:
لماذا يُعامل المؤقت معاملة الأعلى تكلفة؟.
الفقد… هل كله سرقة؟
في إطار مواجهة ما تصفه وزارة الكهرباء بـ التعدي على التيار الكهربائي، كشف وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت في تصريحات مطلع العام، عن أنه تم تحرير محاضر بإجمالي طاقة بلغت نحو 4.6 مليار كيلووات/ساعة، بقيمة تقديرية تصل إلى 23.5 مليار جنيه، تم تحصيل ما يقارب 13.5 مليار جنيه منها، بما يعادل نحو 2.6 مليار كيلووات/ساعة. كما أشار إلى تركيب نحو 2.5 مليون عداد كودي، بلغ حجم استهلاكها ما يقارب 4.7 مليار جنيه.
هذه الأرقام، كما جاءت على لسان الوزير، تكشف ـ وفق رؤيته ـ أن فقد التيار يمثل أحد الأسباب الرئيسية للأزمات التي يعاني منها قطاع الكهرباء، وهي رؤية تستند إلى قناعة بضرورة مواجهة الفقد، خاصة غير الفني منه، باعتباره نزيفًا يلتهم موارد ضخمة ويؤثر على كفاءة المنظومة.
وفي السياق ذاته، يربط الوزير ـ القادم من خلفية القطاع الخاص باعتباره بيزنس مان ومن قطاع عام كان وزيرا له ـ بين تحسين أداء القطاع وتشديد الإجراءات القانونية ضد سرقات الكهرباء، وهو توجه من حيث المبدأ لا يثير جدلاً في جانب الردع، لكنه يفتح في المقابل باب التساؤل حول آليات التطبيق وحدود الضبط، لا سيما حين تمتد منظومة الضبط القضائي إلى عناصر فنية داخل شركات التوزيع.
ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تستهدف هذه المنظومة مواجهة المخالفات، برزت وقائع أثارت علامات استفهام حول دقة بعض المحاضر، من بينها حالة بمحافظة الدقهلية تخص مواطنًا تقدّم بشكوى حملت رقم 2827 لسنة 2025، وأُحيلت بشأنها أوراق إلى محكمة مركز المنصورة في الجنحة رقم 23865 لسنة 2025. وقد انتهى الأمر، بحسب ما ورد من جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، إلى عدم الاعتداد بمحضر الضبط محل الواقعة، والتأكيد على عدم وجود حالة استيلاء دون وجه حق على التيار الكهربائي، مع الإشارة إلى ضرورة إحالة لجنة الضبط إلى التحقيق لمخالفتها القواعد المنظمة.
هذه النتيجة، التي صدرت عن الجهة الرقابية المعنية بحماية المستهلك، طرحت تساؤلات أوسع حول دقة بعض محاضر الضبط التي تُحرر ضد المواطنين، خاصة عندما يترتب عليها توصيفات جسيمة تمس السمعة وتضع الأفراد في موضع المتهم بالسرقة، بما يترتب عليه آثار قانونية واجتماعية واقتصادية بالغة السوء.. وإن كان كل مرتكب جريمة سرقة كهرباء يستحق أقصى العقوبات فمن يحاسب وزير الكهرباء وقياداته عن ارتكاب رجاله جريمة تحرير محضر سرقة لمواطن ظلماً وزورا.
ففي الحالة المشار إليها، لم تتوقف التداعيات عند حدود الغرامات المالية التي طالت المواطن، بل امتدت ـ وفق ما يرويه ـ إلى آثار حياتية قاسية شملت وقف التعامل ببطاقة التموين، وتعطيل استخدام بطاقة الحيازة الزراعية في صرف مستلزمات الإنتاج من الجمعيات الزراعية، فضلًا عن تجميد بعض التعاملات البنكية.
والمفارقة التي تثير مزيدًا من التساؤل أن المواطن، ورغم صدور ما يفيد بكيدية المحضر وعدم الاعتداد به، بحسب خطاب الجهاز الرقابي، لا يزال يعاني من استمرار آثار تلك الإجراءات، في ظل غياب قرارات واضحة برفع القيود التي لحقت به، وكأن المنظومة لم تُعد النظر بعد في تبعات ما تم تصحيحه قانونيًا.
هنا يصبح السؤال أكثر عمقًا من مجرد مواجهة فقد الكهرباء: هل تتحول أدوات الضبط إلى وسيلة ردع منضبطة تستهدف المخالف الحقيقي؟ أم أن التطبيق العملي قد يفتح أحيانًا الباب أمام توسع في الاتهام، يضع المواطن في مواجهة منظومة كاملة يصعب عليه الخروج من آثارها حتى بعد إثبات براءته؟
إنها إشكالية لا تتعلق فقط بقطاع الكهرباء، بل تمس جوهر العدالة الإجرائية في إدارة واحدة من أكثر المرافق التصاقًا بحياة المواطنين اليومية.
يتحدث الوزير ورجاله أن الفقد وصل إلى أكثر من 30% ويعتبرون أن الفقد كله ناتج عن السرقات وهو كلام مغلوط ولكن الفقد حسب ما هو معروف فنى وتجارى .
الفقد الفني وهو الفقد الطبيعي الناتج عن طبيعة عمل الشبكة الكهربائية أثناء نقل وتوزيع الطاقة، ومن أهم أسبابه : مقاومة الموصلات الأسلاك والكابلات مما يؤدي إلى فقد جزء من الطاقة كحرارة. فقد في المحولات أثناء رفع وخفض الجهد. الأحمال الزائدة على الشبكة. سوء جودة التوصيلات أو تقادم الشبكات. طول خطوط النقل وانخفاض كفاءتها.
هذا النوع من الفقد طبيعي ولا يمكن القضاء عليه بالكامل، لكن يمكن تقليله بالتحديث والصيانة.
اما الفقد غير الفني وهو الفقد الناتج عن عوامل بشرية أو إدارية، ويُعد الأكثر إثارة للجدل، مثل: سرقات الكهرباء التوصيل المباشر غير القانوني. التلاعب في العدادات أو تعطيلها. أخطاء الفواتير والقراءات.
ضعف التحصيل أو أخطاء إدارية. استخدام غير مُصرّح به للطاقة توصيلات مخالفة. هذا النوع يمكن تقليله أو القضاء عليه من خلال الرقابة والتحول للعدادات الذكية وتحديث أنظمة التحصيل.
الخطير في الأمر أن هذا النوع من الفقد به جزء يأتي بالتلاعب من جانب بعض الفنيين لزيادة الحصيلة حسب تأكيد احد قيادات الكهرباء لى .. ويتم ذلك بقيام بعض الفنيين بالتلاعب في العدادات لبعض المواطنين ثم الإبلاغ عنهم لعمل محاضر سرقة كهرباء بإعتبار أن هذه الوسيلة تؤدى للوصول إلى المبالغ المطلوبة من كل هندسة حتى يتم صرف مكافآت بسخاء لهم تصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات للمهندسين والفنيين علماً بأن صرف المكافآت مرتبط بتوفير أكبر قدر من الأموال عبر محاضر سرقة يتم تحريرها.. ولو عدنا الى خطاب جهاز مرفق الكهرباء وحماية المستهلك في الجنحة التى شهدتها محكمة مركز المنصورة المشار اليه سابقاً لتأكد لنا بشاعة التعسف في استخدام الضبطية القضائية.
للفقد أسباب كثيرة لماذا يتجاهلها الوزير
في شبكات الكهرباء، لا يُعد “الفقد” مفهومًا واحدًا، بل هو منظومة متعددة الأبعاد. فهناك فقد فني يرتبط بطبيعة الشبكات، وكفاءة التشغيل، وطول خطوط النقل، إضافة إلى أخطاء القياس والتشغيل. وهو فقدٌ يُعد جزءًا طبيعيًا من أي نظام كهربائي، وإن كانت نسبته قابلة للتقليل عبر التطوير والصيانة ورفع كفاءة الشبكات.
لكن في التطبيق العملي، يحدث أحيانًا قدر من الالتباس، حيث يُنظر إلى الفقد باعتباره ـ في بعض السياقات ـ مرادفًا مباشرًا للسرقة أو التعدي على التيار، وهو ما يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بدقة التوصيف وحدود المسؤولية.
وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل من العدل تحميل المواطن كافة صور الفقد، بما فيها ما هو فني أو ناتج عن خلل في المنظومة نفسها؟
الكهرباء هى الخصم والحَكم
تتعقد الصورة أكثر حين تصبح المعادلة غير متوازنة، إذ تتداخل الأدوار داخل المنظومة ذاتها؛ فالإجراءات في بعض الحالات تبدأ من جهة واحدة، وتنتهي عند المسار نفسه:
فمن يحرر محضر الضبط قد يكون هو ذاته عنصرًا داخل منظومة التشغيل، ومن تُعرض عليه الشكوى ينتمي إلى نفس الهيكل الإداري، ومن يُصدر التقييم النهائي يتحرك داخل الإطار المؤسسي ذاته.
وبذلك يجد المواطن نفسه أمام منظومة شبه مغلقة تتداخل فيها أدوار الضبط والمراجعة والبت، في ظل مسار واحد لا تتعدد فيه مستويات الفصل أو الرقابة المستقلة.
وهنا يغيب أحد أهم المبادئ الحاكمة للعدالة الإجرائية، وهو الحياد وتعدد درجات المراجعة، بما يضمن ألا تكون الجهة ذاتها خصمًا وحكمًا في الوقت نفسه.منع التوصيل… ثم الاتهام!
المفارقة الأكثر قسوة هي مواطن يتقدم رسميًا لتركيب عداد كهرباء، ويفترض أن يحصل على الخدمة بشكل قانوني.. لكن يتم تعطيل التوصيل… ثم يُترك بلا كهرباء وبعد ذلك، إذا لجأ إلى أي حل بديل…
يُواجه باتهام سرقة الكهرباء.. فكيف يُمنع من الخدمة… ثم يُحاسب على غيابها؟.
أين يقف جهاز التنظيم؟
نظريًا، هناك جهة تنظيمية يفترض أن تكون الحكم بين المواطن وشركات الكهرباء.. لكن الواقع يشير إلى تراجع هذا الدور، ليصبح المواطن في مواجهة مباشرة مع الإجراءات التنفيذية، دون مظلة رقابية فعالة.
الخلاصة: أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة كهرباء. ما يحدث اليوم لا يتعلق فقط بالكهرباء… بل بثقة المواطن في عدالة المنظومة.
حين يشعر المواطن أن الأرقام لا تعكس الواقع والإجراءات لا تضمن الحياد والعقوبة تسير في اتجاه واحد فإن الأزمة تتحول من خدمة إلى مشكلة ثقة.
لكن هل الهدف هو حماية الشبكة من الفقد و التعديات؟ .. أم إعادة تعريف الاستهلاك بطريقة قد تضع المواطن دائمًا في موضع الاتهام؟
