أسامة داود يكتب : حين تصبح الكهرباء خصمًا وحكمًا .. من يحمي المشترك ؟ ( 5 )
عندما تتحول العدادات إلى فخاخ اتهام
لم يعد
الخطر في ملف الكهرباء مقتصرًا على ارتفاع الفواتير أو تعقيد الإجراءات، بل تجاوز
ذلك إلى ما هو أخطر: تحويل أدوات القياس نفسها إلى وسيلة اتهام جاهزة ضد المواطن.
الواقعة
التي نعرضها هنا ليست مجرد شكوى فردية، بل نموذج كاشف لطريقة عمل تثير تساؤلات
قانونية وفنية خطيرة داخل بعض إدارات التوزيع، وتحديدًا في هندسة كهرباء دسوق
التابعة لشركة شمال الدلتا.
البداية:
عداد يعمل… ثم قرار بالاستبدال.
القصة تبدأ بمضرب أرز يعمل بالفعل، مزود بعداد كهرباء سليم يعمل بكفاءة.. لكن المفاجأة كانت في قرار هندسة دسوق رفع العداد القديم دون مبرر واضح، واستبداله بعداد جديد في 26 ديسمبر 2024، بقوة تعاقدية 120 حصان، رغم أن القدرة الفعلية على الأرض لا تتجاوز 52 حصانًا.
هذا الفارق وحده يطرح سؤالًا: لماذا يتم تحميل النشاط بقوة تعاقدية تفوق قدرته الفعلية بأكثر من الضعف؟..
الإجابة جاءت سريعًا في أول فاتورة.. 117 ألفًا و400 جنيه دفعة واحدة في أبريل 2025، كحساب تسوية عن فترة سابقة، دون تفسير واضح لآلية التقدير.
إنتظام في السداد… بلا جدوى
رغم هذه
البداية الصادمة، استمر صاحب المضرب في سداد الفواتير بانتظام شهريًا، حتى آخر
فاتورة في فبراير 2026 بقيمة 6381 جنيهًا.
لم تسجل
عليه أي مخالفات، ولم تظهر أي ملاحظات على العداد، بل إن شركة شعاع –
المسؤولة عن تسجيل القراءات – كانت تقوم بتصوير العداد شهريًا، دون أن ترصد أي
إشارة تلاعب.
وهنا يبرز التناقض: كيف يتحول عداد سليم موثق بالصور شهريًا فجأة إلى دليل إدانة؟
اللحظة الفاصلة: رفع العداد بلا سند في 8 فبراير 2026، تم رفع العداد مرة أخرى دون إخطار، ودون محضر إثبات حالة، ودون مستند رسمي يثبت واقعة الرفع.
وعندما
طالب صاحب المضرب بما يثبت ذلك، كانت الإجابة – وفق روايته – هنظبط العداد.
هنا لا
نتحدث عن إجراء إداري، بل عن شبهة صريحة تُدار بصلف دون أى اعتبار للموقف
القانوني؛ إذ يكشف الإجراء في ذاته عن عقلية تتعامل بمنطق الدفاتر دفاترنا
والأختام أختامنا، بما يفتح الباب أمام نتيجة خطيرة: العبث المحتمل بعداد خرج من
حيازة صاحبه.
الأخطر لم يكن في رفع العداد، بل فيما تلاه: حيث تم نزع الرصاصة الخارجية للعداد في موقعه، ثم تُرك على الأرض، قبل أن يُنقل بعيدًا عن حيازة صاحبه لأكثر من يومين.
في هذه
اللحظة تحديدًا، يصبح السؤال القانوني حتميًا: من يضمن سلامة العداد بعد خروجه من
حيازة صاحبه؟
بل إن
القواعد الفنية – حسب رأى المتخصصين – تؤكد أن هذه العدادات شديدة الحساسية، وأن أي تعامل غير منضبط معها
قد يُنتج مؤشرات تلاعب، حتى دون تدخل فعلي من المشترك.
النهاية
جاءت كما يمكن توقعها: تحرير محضر سرقة تيار كهربائي بقيمة تتجاوز 1.4 مليون جنيه.
رقم ضخم
يطرح تساؤلات أكبر: ما المعمل الذي فحص العداد؟ ولأي جهة يتبع؟ وأين تقرير الفحص؟
وقبل ذلك
كله: أين محضر فض الأحراز؟ وأين الدليل الفني المصور على واقعة التلاعب؟ وكيف لم
ترصد شركة شعاع المعنية بقراءة العدادات أي مؤشرات شهرية؟
الأخطر
أن العداد – وفق الواقعة – لم يُفحص أو يُعاير منذ تركيبه، ما يُضعف أي استنتاج
فني لاحق.
ثم جاءت
الخطوة الأكثر إثارة للدهشة: في 17 فبراير 2026 تم تركيب عداد جديد، وكأن المشكلة
لم تكن في نشاط يسرق الكهرباء، بل في عداد جرى استبداله، ثم اتهام صاحبه لاحقًا.
واللافت
أن قياس الأحمال بعد رفع العداد كان يتطابق مع القياس السابق (52 حصان)، بما يثير
علامات استفهام إضافية تنفى وجود سرقة.
القضية هنا تتجاوز واقعة بعينها، لتكشف خللًا جوهريًا في ميزان العدالة: الجهة نفسها تملك سلطة الرفع، والفحص، وتحرير المحضر.
والعداد
يُنزع دون ضمانات كافية، ثم يُعاد تقديمه كدليل إدانة بعد خروجه من حيازة صاحبه.
ألسنا
هنا أمام معادلة مختلة؟ الخصم هو نفسه الحكم، وهو ذاته الخبير الفني.
يبقى
السؤال الذي يجب أن يُطرح:
هل ما جرى مجرد واقعة فردية؟ أم نموذج يتكرر بصيغ مختلفة؟
رسالة واجبة إلى وزارة الكهرباء: معالجة الفقد لا تكون بتوسيع دائرة الاتهام، بل بإصلاح المنظومة ذاتها، فليس كل فقد سرقة، وليس كل مشترك متهمًا.
ما نعرضه
هنا لا يحتاج إلى تعاطف، بل إلى تحقيق فوري ومحايد يجيب عن سؤال واحد:
هل هناك ضمانات حقيقية تحمي المواطن بعد رفع العداد من موقعه؟.. أم أن لحظة رفعه هي بداية فقدان العدالة؟
هذا
الملف لن يُغلق عند حدود واقعة واحدة،
بل هو
جزء من حملة أوسع تكشف ما يحدث خلف الكواليس في منظومة يفترض أنها تحمي الحق… لا
أن تصنع الاتهام.
وإن شاء الله للحديث بقية
