الدكتور محمد موسى عمران يكتب لـ طاقة نيوز عن قرار رفض ملء منخفض القطارة بالمياه

الدكتور محمد موسى عمران يكتب لـ طاقة نيوز عن قرار رفض ملء منخفض القطارة بالمياه


ليست كل فكرة ضخمة بالضرورة هي الخيار الأفضل للتنمية، وليست كل بحيرة صناعية تمثل قيمة مضافة، وليست كل قدرة كهربائية مضافة مكسبًا إذا جاءت بتكلفة عالية ومخاطر بيئية وأمنية ممتدة.


من هذا المنطلق، يمثل قرار مجلس الوزراء برفض فكرة ملء منخفض القطارة بالمياه قرارًا رشيدًا يستحق الإشادة، لأنه ينتصر لمنطق مهم في تقييم المشروعات الكبرى: الجدوى الاقتصادية، السلامة البيئية، اعتبارات الأمن القومي، وحماية حقوق الأجيال القادمة.


ظل منخفض القطارة لعقود طويلة حاضرًا في الخيال الهندسي والتنموي المصري؛ قناة تنقل المياه إلى منخفض طبيعي شاسع، وبحيرة صناعية، وتوليد كهرباء من فرق المناسيب، وتنمية عمرانية وسياحية وزراعية حول المنطقة.


لكن الدراسات والتقييمات المتراكمة تشير إلى أن الفكرة ليست بالبساطة التي تبدو عليها، وأن مخاطرها قد تكون أكبر بكثير من عوائدها المحتملة.


فملء المنخفض بمياه البحر قد يحوله مع الزمن إلى بحيرة شديدة الملوحة نتيجة البخر المستمر وتراكم الأملاح، مع احتمالات التأثير على المياه الجوفية، وزيادة ملوحة التربة، والإضرار بالنظم البيئية الصحراوية، فضلًا عن التكلفة الاقتصادية المرتفعة مقارنة ببدائل تنموية وطاقية أكثر كفاءة وأقل مخاطرة.


ولا تقتصر الإشكالية على مياه البحر فقط. فالمياه المحلاة مورد عالي التكلفة لا يبدو منطقيًا إنتاجه ثم ضخه في منخفض واسع شديد التبخر، بينما تظل مياه النيل موردًا محدودًا له أولويات أكثر إلحاحًا في الشرب والزراعة والصناعة وحماية الدلتا. وحتى في حالة المياه العذبة، فإن ضخها في حوض مغلق، حيث تصبح راكدة إلى حد كبير، فوق أرض سبخية وملحية في مساحات واسعة، قد يؤدي مع الوقت إلى تدهور نوعية المياه وتراكم الأملاح والملوثات، بدلًا من خلق مورد مائي مستدام.


كما لا يجب النظر إلى منخفض القطارة والمناطق المحيطة به باعتباره مساحة صحراوية خالية. فالمنطقة تضم نظمًا بيئية صحراوية شديدة الخصوصية، وتنوعًا بيولوجيًا تكيف مع طبيعة المكان، فضلًا عن احتمال وجود شواهد ومواقع ذات قيمة أثرية أو تاريخية في نطاق الصحراء الغربية. وأي تدخل واسع النطاق يغير الطبيعة المائية والجيولوجية للمنخفض يجب أن يسبقه تقييم بيئي وتراثي دقيق.


كما أن شق قناة من البحر المتوسط إلى منخفض القطارة، خاصة إذا كانت قناة مكشوفة، لا يطرح فقط سؤالًا هندسيًا أو ماليًا، بل يثير أيضًا اعتبارات استراتيجية وأمنية مهمة. فوجود مجرى مائي صناعي طويل في نطاق جغرافي حساس قد يتحول إلى عائق مائي دائم، يؤثر على الحركة البرية، واستخدامات الأراضي، وخطط التأمين والحماية، فضلًا عن أعباء الصيانة والمراقبة المستمرة.


ومع ضخ كميات هائلة من المياه في منخفض بهذا الحجم، تظهر كذلك تساؤلات فنية مشروعة حول أثر الأحمال المائية والأملاح على التوازن الجيولوجي والهيدرولوجي للمنطقة. وخطورة هذا السيناريو أن آثاره، إن ظهرت، لن يكون من السهل الرجوع عنها؛ إذ يصعب عمليًا تفريغ منخفض بهذا الحجم بعد ملئه.


ومن منظور قطاع الكهرباء، فإن المشروع طُرح تاريخيًا كوسيلة لتوليد الكهرباء من فرق المناسيب. إلا أن المنطق الاقتصادي اليوم تغير؛ فمصر أصبحت تمتلك بدائل أكثر كفاءة وأقل تكلفة وأسرع تنفيذًا، مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والتخزين الكهربائي، وتحديث الشبكات، وتحسين كفاءة الاستهلاك.


والأهم أن رفض ملء المنخفض لا يعني رفض تنميته.


فالقرار لا يغلق باب التنمية في المنطقة، بل يوجهه إلى مسار أكثر واقعية وأقل مخاطرة: تنمية عمرانية وسياحية وبيئية محسوبة، استغلال منضبط للمياه الجوفية، مشروعات طاقة متجددة، حماية للموائل الطبيعية، واستثمار للثروات البترولية والمعدنية وفق دراسات دقيقة.


وهنا تكمن أهمية القرار: أنه يميز بين التنمية الرشيدة والمغامرة التنموية.


إن قرار مجلس الوزراء بشأن منخفض القطارة يجب أن يُقرأ باعتباره تحولًا مهمًا في فلسفة اتخاذ القرار العام: من الانبهار بالفكرة الكبيرة في ذاتها، إلى الاحتكام للعلم، والتكلفة والعائد، والبيئة، والأمن القومي، وحسن ترتيب الأولويات.


منخفض القطارة قد يكون منطقة واعدة للتنمية، لكن ليس من خلال إغراقه بالمياه، سواء كانت مياه بحر أو مياهًا محلاة أو مياهًا عذبة، بل من خلال رؤية متدرجة وآمنة تحافظ على الموارد، وتراعي طبيعة المكان، وتربط التنمية بالجدوى الحقيقية لا بالخيال الهندسي وحده.


والأهم في هذا القرار أنه يرسخ مبدأ بالغ الأهمية: أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على تنفيذ المشروعات الكبرى، بل بقدرتها أيضًا على اختيار ما لا يجب تنفيذه عندما تثبت الدراسات أن مخاطره أكبر من عوائده.


التنمية الحقيقية لا تقوم على المغامرة، بل على العلم، والحساب، والاحتياط، واحترام حقوق الأجيال القادمة.


الدكتور محمد موسى عمران وكيل أول الوزارة .. رئيس جهاز مرفق الكهرباء وحماية المستهلك السابق