أسامة داود يكتب: من مطاردة المواطن إلى محاصرة المصانع.. هل أصبح النمو الصناعي متهمًا لدى الكهرباء؟

أسامة داود يكتب: من مطاردة المواطن إلى محاصرة المصانع.. هل أصبح النمو الصناعي متهمًا لدى الكهرباء؟


منطقة مطوبس الصناعية تعمل بثلث قدرتها الكهربائية بينما يقفز سعر زيادة الأحمال من 750 إلى 14037 جنيهًا لكل كيلو فولت!.

 

بدأت الحكاية من أبواب المنازل، لكنها تبدو اليوم وكأنها تتحرك نحو أبواب المصانع. بدأت بشكاوى من عدادات كودية قال مواطنون إنها أثقلت كاهلهم، ثم محاضر يؤكد أصحابها أنها لم تعكس حقيقة الوقائع، ثم غرامات ومقايسات وصفها كثيرون بأنها تجاوزت حدود القدرة على الاحتمال، ثم شكاوى من تعطّل أو تأخر تركيب العدادات بما فتح الباب - وفق روايات متكررة - أمام أزمات جديدة لم تنته آثارها بعد.

واليوم يظهر سؤال مختلف وأكثر حساسية: هل امتدت الأزمة من مطاردة المواطن إلى محاصرة الاستثمار نفسه؟ وهل أصبح النمو الصناعي يواجه اتهامًا غير معلن داخل منظومة الكهرباء؟


في المنطقة الصناعية بمطوبس بمحافظة كفر الشيخ، لا يتحدث المستثمرون عن خلافات إدارية عابرة أو زيادات تقليدية في الرسوم، بل يتحدثون عن أرقام يعتبرونها صادمة، أرقام لا تبدو بالنسبة لهم مجرد تعديل في تكلفة خدمة، وإنما تشبه ـ وفق وصفهم - صدمة كهربائية أصابت قلب القطاع الصناعي نفسه.

فالذي كان يدفع نحو 750 جنيهًا مقابل الكيلو فولت أمبير لزيادة القدرة الكهربائية، فوجئ - بحسب ما يؤكده أصحاب المصانع - بأن الرقم قفز إلى 14037 جنيهًا للكيلو فولت أمبير.

هنا لا نتحدث عن زيادة بنسبة عشرة أو عشرين في المائة، ولا حتى عن مضاعفة في التكلفة، وإنما عن قفزة تقارب عشرين ضعفًا تقريبًا. وهنا تتوقف لغة الأرقام قليلًا، وتبدأ الأسئلة في الظهور.

ما الذي حدث حتى تقفز التكلفة بهذه الصورة؟ وما المبررات الفنية أو الاقتصادية التي دفعت إلى هذا الارتفاع؟ وهل أصبحت تكلفة زيادة القدرة الكهربائية أعلى من قدرة المستثمر نفسه على التوسع؟

السؤال هنا ليس رفاهية.. لأن الأمر لا يتعلق بمشروعات تبحث عن امتيازات استثنائية أو خدمات إضافية، بل بمصانع تعمل في قطاعات إنتاجية أساسية.. مصانع غذائية، وأخرى للأعلاف، وصناعات معدنية وكيماوية، ومشروعات تقوم فكرتها في الأساس على تشغيل العمالة وتحويل المواد الخام إلى قيمة مضافة ومنتج نهائي.

المستثمر حين يطلب زيادة الأحمال الكهربائية لا يطلب إنشاء طريق جديد أو منطقة ترفيهية أو مبنى إداري إضافيًا، بل يطلب عنصرًا أساسيًا يشبه الوقود بالنسبة للمركبة؛ يطلب ما يسمح له بالإنتاج والتوسع والاستمرار.

لكن وفقًا لشكاوى أصحاب المصانع، فإن ما حدث لا يهدد فقط خطط التوسع، وإنما قد يجعل قرار التوسع نفسه مشروعًا مؤجلًا أو قرارًا مؤلمًا يتم التراجع عنه.

والمفارقة أن الحكومة تؤكد في كل مناسبة أن الصناعة تمثل قاطرة التنمية، وأن المستثمر شريك أساسي في البناء، وأن إزالة المعوقات أمام الاستثمار أولوية وطنية، وأن الدولة تسعى إلى جذب رؤوس الأموال وتهيئة بيئة داعمة للإنتاج.

لكن أصحاب المصانع في مطوبس يطرحون سؤالًا مختلفًا.

كيف تتم دعوة المستثمر للتوسع بينما تقف أمامه فاتورة جديدة بهذا الحجم؟

وكيف يُطلب من المصنع زيادة إنتاجه بينما يصبح الطريق إلى زيادة القدرة الكهربائية أكثر صعوبة من زيادة خطوط الإنتاج نفسها؟

وهل تمت دراسة أثر هذه الزيادات على المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟ وهل جرى تقييم انعكاساتها على حجم العمالة وفرص التشغيل؟ أم أن الأرقام تُحسب داخل المكاتب بعيدًا عن صوت الماكينات وخطوط الإنتاج؟

حين نبحث عن حجم المشكلة بشكل أوسع، فإن الأرقام نفسها تكشف صورة تستحق التوقف أمامها.

فالمنطقة الصناعية بمطوبس ليست أرضًا مهجورة تبحث عن الحياة، وليست مشروعًا على الورق ينتظر من يقترب منه، بل منطقة تضم - بحسب البيانات المتداولة - نحو 198 قطعة أرض بإجمالي مساحة تقارب 378 ألفًا و918 مترًا مربعًا.

كما تضم 165 مشروعًا صناعيًا، منها 83 مشروعًا يعمل بالفعل وينتج، و10 مشروعات تستعد لدخول الخدمة بعد انتهاء التشطيبات وتركيب خطوط الإنتاج، و45 مشروعًا في مراحل الإنشاء والتجهيز، إلى جانب 12 مشروعًا حصلت على تراخيص البناء ولم تبدأ التنفيذ بعد، و14 مشروعًا استلمت الأراضي ولم تستخرج التراخيص اللازمة للبناء.

أما العمالة فتقترب من سبعة آلاف عامل بين عمالة دائمة ومؤقتة.

هذه ليست أرقام منطقة متوقفة عن العمل، بل أرقام منطقة تنبض بالحياة وكان من المفترض أن تتضاعف خلال السنوات المقبلة إذا استمرت حركة الاستثمار والتوسع بالمعدلات المستهدفة.. لكن هنا تظهر مفارقة أخرى لا تقل غرابة.

فبحسب شكاوى المستثمرين، فإن القدرة الكهربائية المتاحة حاليًا للمنطقة لا تتجاوز عشرة ميجاوات فقط، بينما القدرة التصميمية للمنطقة تبلغ ثلاثين ميجاوات، أي أن المنطقة تعمل بما يعادل ثلث الطاقة المفترض أن تعمل بها.

وبلغة أبسط، إذا كانت مدينة صناعية قد صُممت لتتحرك بثلاثة محركات، فإنها تتحرك الآن بمحرك واحد فقط.

وهنا يبرز السؤال المنطقي: كيف تنتج المصانع؟ وكيف تتوسع؟ وكيف تفي بالتزاماتها؟ وكيف تدخل المصانع الجديدة الخدمة أصلًا؟

المشكلة هنا لم تعد تتعلق فقط بارتفاع تكلفة زيادة الأحمال، بل أصبحت - وفق رؤية المستثمرين - حصارًا من اتجاهين في الوقت نفسه، قدرات كهربائية لا تكفي الاحتياجات الحالية، وتكلفة إضافية تصيب المستثمر بالعجز فيتوقف عن التوسع المستقبلي.

وفي مثل هذه الحالات تكون النتائج معروفة مسبقًا؛ تباطؤ في الإنتاج، تأجيل للتوسعات، تراجع في معدلات الاستثمار، ومشروعات قد تجد نفسها عاجزة عن استكمال خططها.

وحين تتعثر المصانع، فإن الخاسر لا يكون المستثمر وحده.

الخاسر قد يكون العامل الذي ينتظر راتبه، والأسرة التي تعتمد على هذا الدخل، والاقتصاد الذي يبحث عن زيادة الإنتاج والتشغيل.

ومن هنا تتجه الأنظار إلى الجهات المعنية، وإلى محافظة كفر الشيخ، باعتبار أن القضية لا تبدو مجرد خلاف حول رسوم أو تكاليف، وإنما قضية ترتبط مباشرة بمناخ الاستثمار وفرص التشغيل والتنمية.

فالمصانع لا تعمل بالشعارات وحدها، ولا تتحرك بالبيانات أو التصريحات، وإنما تعمل بالكهرباء والقدرة والتكلفة التي تسمح لها بالبقاء والاستمرار.

ويبقى السؤال الأخير مفتوحًا: هل تُعالج الأزمة قبل أن تتحول إلى كرة ثلج يصعب احتواؤها؟ أم ننتظر حتى تتحول شكاوى المستثمرين إلى مصانع متعثرة وفرص عمل مهددة؟

وكيف تحولت الكهرباء من شريان يغذي الصناعة إلى عبء يخشاه المستثمر قبل أن يبدأ التوسع؟


وفى النهاية أدعو المهندس إبراهيم مكي محافظ كفر الشيخ إلى التدخل لكبح جماح أزمة كهرباء تهدد الاستثمار بعد أن أثقلت كاهل المواطنين