أسامة داود يكتب: وزير وقيادات البترول من إدارة الطاقة إلى إدارة اللقطة

أسامة داود يكتب: وزير وقيادات البترول من إدارة الطاقة إلى إدارة اللقطة

هل أصبح الوصول إلى الكاميرا أسهل من الوصول إلى زيادة الإنتاج؟

ليست المشكلة في ركوب المترو.. بل في ركوب الموجة

حين تتحرك المواكب خارج الكادر وتبقى اللقطة وحدها داخل المشهد

لم أستطع أن أمر مرور الكرام أمام ذلك المشهد العبثي الذي يتكرر يوميًا على مواقع إخبارية عديدة، باعتباره - على ما يبدو - عرضًا مجانيًا لتسويق فضيلة التواضع وتقشف المسؤولين. فقيادات البترول قررت فجأة أن تترجل - أو هكذا يراد لنا أن نعتقد - من أساطيل السيارات المخصصة لها، لتستقل في مشهد درامي عربات المترو الكهربائي المونوريل في طريقها إلى مقر وزارة البترول بالحى الحكومي.
مشهد يبدو في ظاهره دعوة للبساطة، لكنه في تفاصيله يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات.
مشاهد ثنائية ورباعية لقيادات تتنقل مبتسمة أمام عدسات احترافية، بينما حظي الوزير بلقطة منفردة.. يجلس داخل العربة، ممسكًا بهاتفه، في مشهد يبدو محسوب الزوايا والإضاءة والحركة بدقة تفوق أحيانًا حسابات بعض المشروعات نفسها.

إنجاز عبر إخراج سينمائي
لكن هنا يبدأ السؤال في طرق الأبواب بعنف: هل التواضع يحتاج إلى فريق تصوير؟ وهل البساطة تستدعي مرافقة كاملة من المصورين والمساعدين وحملة الملفات؟ وهل الزهد الإداري أصبح يحتاج إلى إخراج سينمائي؟
المشهد لا يبدو كأنه رحلة انتقال موظف إلى مقر عمله، بقدر ما يبدو وكأنه عرض دعائي مفتوح تحت عنوان: التقشف أمام الكاميرا.. ولأن المنطق لا يحب الخدع البصرية، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحًا.. هل الترشيد يعني أن تتحرك سيارات ومرافقون من مقر الإقامة إلى محطة الصعود، ثم تسبق سيارات أخرى إلى محطة الوصول لاستقبال المسؤول واستكمال الرحلة إلى مكتبه؟
أم أن الترشيد الحقيقي كان يمكن أن يكون أكثر بساطة..  انتقال مباشر من المنزل إلى مقر العمل، دون مواكب إضافية، ودون مشاهد تمثيلية، ودون صور معدة سلفًا؟
أي المعادلتين أوفر للدولة؟.. وأيهما أوفر للعقول؟
المشكلة ليست في ركوب مسؤول للمترو أو المونوريل، فلا أحد يعترض على أن يستخدم أي مسؤول وسيلة نقل عامة، بل قد يكون ذلك أمرًا محمودًا إذا جاء طبيعيًا وتلقائيًا ودون صخب.

مهرجان اللقطات 
المشكلة حين يتحول الفعل الإداري إلى ما يشبه مهرجان اللقطات.
وحين تتحول وسائل النقل إلى مسرح، والكاميرات إلى مخرج. والمسؤول إلى بطل يبحث عن مشهد افتتاحي يوم.
هناك فارق كبير بين مسؤول يختار أن يعيش واقع الناس، ومسؤول يختار أن يصور نفسه وهو يعيش واقع الناس.
الأول رسالة.والثاني بروفة.. المؤلم أن المشهد سرعان ما تحول إلى ما يشبه دوى الصورة، وكأن الجميع قرر أن يحمل بطاقة اعتماد جديدة بعنوان: أنا أيضًا متواضع.
ابتسامات أمام العدسات، اصطفافات محسوبة، لقطات عبور البوابات الإلكترونية، وكأننا أمام إعلان تجاري طويل لا أمام قيادات تدير أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثيرًا في الاقتصاد المصري.
ويبقى السؤال الذي يشبه صفعة منطقية أكثر من كونه سؤالًا صحفيًا: هل أصبح الإنجاز الحقيقي هو الوصول إلى المكتب بالمترو؟
أم أن الإنجاز ما زال - كما عرفته الدول - يقاس بما يخرج من الآبار والمصانع ومؤشرات الإنتاج؟
لأن الأرقام لا تلتقطها الكاميرات..والإنتاج لا تصنعه اللقطات.
أما البروباجندا، فهي غالبًا لا تزدهر إلا حين تبدأ الحقائق في التراجع.. والدول لا تُدار بالصور التذكارية.. بل بالنتائج.