أسامة داود يكتب: هل تحولت الكهرباء من مقدِّم خدمة إلى سلطة عقاب؟
بين حق الدولة في التحصيل وحق المواطن في العدالة
قراءة في محاسبة العدادات الكودية القديمة بسعر 274 قرشًا للكيلووات
ملايين المستهلكين في سلة واحدة.. هل يستند القرار إلى مشروعية أم إلى منطق الجباية؟
لم يكن يومًا محل خلاف أن للدولة حقًا أصيلًا في تحصيل مستحقاتها مقابل الخدمات التي تقدمها، وأن على المواطن التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا بسداد ما يستهلكه من كهرباء ومياه وسائر المرافق العامة. كما أن مواجهة سرقات التيار الكهربائي وحماية المال العام هدف مشروع لا يجادل فيه أحد.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يجوز أن تتحول أدوات التحصيل إلى وسيلة لفرض أعباء مالية جماعية على مواطنين تعاملوا مع الدولة لسنوات وفق أوضاع قانونية معلنة وتحت رقابة أجهزتها؟
هذا السؤال يطرح نفسه بقوة بعد الإعلان عن محاسبة مستخدمي العدادات الكودية مسبقة الدفع بسعر موحد يبلغ 274 قرشًا لكل كيلووات ساعة، دون تطبيق نظام الشرائح، وباعتبار أن المحاسبة تتم من أول كيلووات وفق ما وُصف بأنه سعر التكلفة الفعلية للكهرباء.
ظاهريًا يبدو القرار إجراءً تنظيميًا، لكن التمعن في تفاصيله يفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول العدالة والتناسب واحترام المراكز القانونية المستقرة منذ سنوات.
فالعداد الكودي ليس واقعة سرقة تيار، وليس ضبطًا لمخالفة كهربائية، بل هو في الأصل آلية ابتكرتها الدولة لتنظيم الاستهلاك وتقنين المحاسبة ومنع التوصيلات غير القانونية. وقد دفعت آلاف الأسر رسوم المقايسات والتركيب والتزمت بالسداد المنتظم لسنوات طويلة تحت إشراف شركات توزيع الكهرباء نفسها.
فكيف يتحول المواطن الذي استجاب لدعوة الدولة لتركيب عداد كودي إلى مستهلك يُحرم من نظام الشرائح ويُحاسب بسعر أعلى من أول كيلووات ساعة؟
وهنا يجب التفرقة بوضوح بين أمرين مختلفين تمامًا: مشروعية العقار من ناحية، ومحاسبة استهلاك الكهرباء من ناحية أخرى.
إذا كان هناك بناء مخالف، فهناك قوانين للتصالح، وإجراءات إدارية، وجهات مختصة بالتقنين أو الإزالة. أما الكهرباء فهي خدمة يتم استهلاكها فعليًا، ويجب أن تُحاسب وفق قواعد عادلة وشفافة لا وفق تصنيف عام يضع جميع أصحاب العدادات الكودية في خانة واحدة، بغض النظر عن ظروف كل حالة.
الأخطر اقتصاديًا أن التعريفة الموحدة المرتفعة قد تُفقد الفاتورة طبيعتها الأصلية كمقابل خدمة، لتقترب من مفهوم الجزاء المالي غير المباشر.
فإذا كانت الـ274 قرشًا تمثل بالفعل تكلفة إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، فمن حق المواطن أن يعرف بوضوح عناصر هذه التكلفة وأسس احتسابها، وأن يفهم لماذا يُحرم من الشرائح المقررة للمستهلك المنزلي العادي رغم أن استهلاكه قد يكون محدودًا.
أما إذا كان الهدف الضمني هو الضغط لإنهاء أوضاع التصالح أو دفع المواطنين نحو تسوية أوضاع عقارية معلقة، فإن استخدام فاتورة الكهرباء كأداة ضغط يثير تساؤلات قانونية ودستورية لا يمكن تجاهلها.
فالعدالة لا تعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها، بل تعني معاملة الحالات المختلفة بصورة مختلفة.
هناك من سرق التيار بالفعل، وهناك من ركب عدادًا كوديًا بناءً على إجراءات رسمية. وهناك من تقدم بطلب تصالح وما زال ينتظر الرد، وهناك من أنهى إجراءات التقنين، وهناك من اشترى وحدة قائمة لا علاقة له بالمخالفة الأصلية من الأساس.
فهل يستقيم أن يُحاسب الجميع بالسعر نفسه ومن أول كيلووات ساعة وكأنهم جميعًا في مركز قانوني واحد؟
إن مبدأ الثقة المشروعة بين المواطن والدولة يقتضي قدرًا من الاستقرار في المعاملات. فلا يمكن أن تطلب الدولة من المواطن لسنوات أن يركب عدادًا كوديًا لضبط الاستهلاك ومنع السرقة، ثم يصبح وجود هذا العداد ذاته سببًا لحرمانه من المزايا التي يحصل عليها غيره من المشتركين.
فالدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على زيادة الحصيلة المالية فحسب، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين حق الخزانة العامة وحق المواطن في المعاملة المنصفة.
ومن هنا فإن إعادة النظر في محاسبة العدادات الكودية القديمة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجاملة للمخالفين، بل باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لمبادئ العدالة وحماية المستهلك.
فالأصل أن ما تأخذه الحكومة بحق وعدل هو مال مستحق ومشروع، أما ما يُفرض دون تمييز بين الحالات، أو دون مبررات كافية، أو دون آلية واضحة للتظلم والمراجعة، فإنه يثير شبهة التعسف مهما كانت النوايا المعلنة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن إجابته: هل الهدف هو تحصيل تكلفة الكهرباء فعلًا.. أم أن العداد الكودي وسيلة يدفع من خلالها المواطن ثمن أخطاء سياسات لم يكن طرفاً فيها؟
