أسامة داود يكتب: عندما يصبح التعاقد بلا قيمة.. أزمة بنجر تهز كفر الشيخ

أسامة داود يكتب: عندما يصبح التعاقد بلا قيمة.. أزمة بنجر تهز كفر الشيخ

 طوابير البنجر وتلال الخسائر.. من يحمي الفلاح المصري

الفلاح ينتظر.. و بنجر الصحراء يعبر أولا! 

البنجر يتلف على الطرق .. والمزارعون يدفعون الثمن 


 

في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن دعم الفلاح المصري وتشجيع التوسع في المحاصيل الاستراتيجية وتقليل فاتورة الاستيراد، يواجه آلاف مزارعي البنجر في بمحافظة كفر الشيخ أزمة تثير علامات استفهام خطيرة حول آليات توريد المحصول وعدالة التعامل بين المزارعين.. وهذا السيناريو  يتكرر للعام الثانى على التوالي، حيث يتحول موسم البنجر إلى موسم للعقاب الجماعي للمزارعين.

فمنذ الأول من يونيو، فوجئ مزارعو البنجر بالمحافظة ومنهم التابعون لتسع جمعيات ائتمان زراعي بمركز مطوبس - وهى كوم دميس، حمدى حجازى، مطوبس، منبه المرشد، بنى بكار، الدوايدة، السعاده، الغنايم، الفتح والنصر  - والذين تعاقدوا رسميًا على توريد إنتاجهم إلى مصنع الحامول التابع لشركة الدلتا للسكر، بتوقف دخول سياراتهم المحملة بالمحصول إلى المصنع وتركها لأيام دون تفريغ ،  بينما تتكدس كميات ضخمة من البنجر في مناطق التجميع وتحت أشعة الشمس ، بما يهدد بتلف المحصول وانخفاض نسبة السكر فيه وتراجع قيمته الاقتصادية.

الأزمة لا تتعلق بكميات محدودة من البنجر،  بل بمئات الالاف من أطنان البنجر الذى يتك توريده  من مراكز محافظة كفر الشيخ منها على سبيل المثال 30 الف طن من الجمعيات التسع بمركز مطوبس  تمثل حصاد شهور طويلة من العمل والإنفاق والمخاطرة.

والسؤال هنا: كيف يحدث ذلك رغم وجود تعاقدات رسمية ومواعيد محددة للتوريد؟

المعروف أن زراعة البنجر تتم وفق برنامج زمني دقيق يبدأ عادة في مناطق كفر الشيخ خلال شهر أكتوبر، على أن يتم حصاد المحصول وتوريده خلال الموسم المحدد، حيث يتراوح عمر محصول البنجر في الأرض بين 180 و200 يوم كحد أقصى.

كما أن الأراضي التي يزرع فيها البنجر في مناطق مطوبس وكفر الشيخ ترتبط بدورة زراعية واضحة، إذ يفترض إخلاؤها من البنجر قبل العاشر من يونيو حتى يتمكن المزارعون من زراعة الأرز في المواعيد المقررة وطبقاً للدورة الزراعية.

لكن ما يحدث على أرض الواقع، بحسب شكاوى المزارعين، يهدد هذه الدورة الزراعية بالكامل.

فسيارات المزارعين - بحسب الروايات المتطابقة الواردة من الجمعيات الزراعية - تبقى أحيانًا لمدة تصل إلى 48 ساعة أو أكثر دون السماح لها بالدخول أو التعتيق، في حين تدخل إلى المصنع أعداد كبيرة من السيارات القادمة من مناطق الاستصلاح الصحراوي وتحصل على أولوية واضحة في التفريغ والاستلام.

الأخطر أن المزارعين يتساءلون عن الأساس الذي يتم وفقه منح هذه الأولوية، خاصة أن موسم توريد البنجر الخاص بالجمعيات الزراعية يمتد من فبراير حتى يونية، وأن المتعارف عليه تاريخيًا أن تكون الأولوية أولًا لبنجر المزارعين المتعاقدين عبر الجمعيات الزراعية، ثم تأتي بعد ذلك كميات المناطق الصحراوية.

فإذا كان هذا هو النظام المعمول به، فلماذا يتم تجاوزه؟

ومن الذي أصدر التعليمات بتغيير ترتيب الأولويات؟

وهل تم إخطار المزارعين بذلك مسبقًا؟

وهل توجد قرارات رسمية تسمح بتقديم بنجر الصحراء على بنجر المزارعين المتعاقدين؟

أم أن الأمر يتم وفق اعتبارات لا يعلمها أصحاب الأرض والمحصول؟

إن بقاء البنجر لفترات طويلة دون توريد لا يمثل مجرد تأخير إداري، بل خسارة اقتصادية مباشرة للفلاح.

فكل يوم تأخير يعني تراجعًا في جودة المحصول ونسبة السكر القابلة للاستخلاص، وبالتالي انخفاضًا في العائد الذي يحصل عليه المزارع.

ويزداد الأمر قسوة إذا وضعنا في الاعتبار أن تكلفة زراعة الفدان الواحد تجاوزت هذا العام 30 ألف جنيه تشمل تجهيز الأرض والتقاوي والأسمدة والري والعمالة والنقل ومختلف مستلزمات الإنتاج.

ورغم هذه الزيادة الضخمة في التكلفة، تم تحديد سعر توريد الطن بنحو ألفي جنيه فقط، وهو سعر يرى كثير من المزارعين أنه لا يعكس حجم الزيادات التي تحملوها خلال الموسم.

وهنا يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: كيف يُطلب من الفلاح تحمل الزيادات المتتالية في مستلزمات الإنتاج، بينما يجد نفسه في نهاية الموسم عاجزًا عن توريد محصوله في الموعد المحدد؟

ولماذا تتحمل الحلقة الأضعف - وهو المزارع البسيط - وحدها تكلفة أي خلل في منظومة الاستلام والتوريد؟

وهل تمتلك شركة الدلتا للسكر طاقات تشغيلية كافية لاستيعاب جميع التعاقدات التي أبرمتها؟

وإذا كانت الطاقة الاستيعابية أقل من حجم التعاقدات، فلماذا تم قبول هذه الكميات من الأساس؟

ومن المسؤول عن الخسائر التي قد تنتج عن تأخر الاستلام؟

وهل سيتم تعويض المزارعين إذا ثبت تراجع جودة المحصول بسبب بقاء البنجر في العراء؟

وهل فتحت وزارة الزراعة أو وزارة التموين أو الجهات الرقابية المختصة تحقيقًا لمعرفة أسباب تكدس آلاف الأطنان خارج المصنع؟

الأزمة لا تتعلق فقط بمحصول البنجر، بل بثقة المزارع في منظومة التعاقد الزراعي بأكملها.

فحين يلتزم الفلاح بكل ما عليه من زراعة وإنفاق ورعاية للمحصول، ثم يجد نفسه في نهاية الموسم واقفًا على أبواب المصنع ينتظر دوره بينما تتقدم عليه شحنات أخرى، فإن الرسالة التي تصل إليه تكون بالغة الخطورة.

ولهذا فإن القضية تستحق تدخلاً عاجلاً وشفافًا من الجهات المختصة لإعلان الحقائق كاملة أمام الرأي العام، وكشف أسس ترتيب أولويات التوريد، وضمان عدم تحميل المزارعين فاتورة أخطاء لم يرتكبوها.

ويبقى السؤال الأهم: إذا كان الفلاح هو من تحمل المخاطرة، وأنفق المال، والتزم بالعقد، وزرع المحصول وفق البرنامج الزمني المحدد من جانب شركة الدلتا للسكر ومصنعها بمنطقة الحامول بكفر الشيخ، فلماذا يقف اليوم أمام أبواب المصنع منتظرًا حقه في التوريد، بينما تتكدس تلال البنجر خارج الأسوار، وفى شون التجميع وعلى الطرق وتعرضها للتلف؟