أسامة داود يكتب: سددنا 6.1 مليار دولار للشركاء.. فلماذا تراجع إنتاج الغاز؟

أسامة داود يكتب: سددنا 6.1 مليار دولار للشركاء.. فلماذا تراجع إنتاج الغاز؟

تصفير المديونيات ليس إنجازًا في حد ذاته إذا لم ينعكس على زيادة الإنتاج والاستكشاف

الحكم الحقيقي يكون بالأرقام والنتائج لا بالبيانات الاحتفالية

وسط أجواء احتفالية وابتسامات عريضة أعلن المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، ما وصفه بـ الإنجاز الاستراتيجي غير المسبوق،  بعد النجاح في تصفير مستحقات الشركاء الأجانب التي بلغت نحو 6.1 مليار دولار، مؤكدًا أن مصر أوفت بالتزاماتها واستعادت ثقة المستثمرين وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من النمو وزيادة الإنتاج.

ولا أحد يختلف على أهمية سداد مستحقات الشركاء الأجانب، فهذه التزامات واجبة السداد، وتأخرها كان أحد الأسباب الرئيسية وراء تباطؤ برامج الحفر والاستكشاف والتنمية. لكن السؤال الذي لم يجب عنه الوزير هو: هل يكفي سداد المديونيات وحده لاعتبار ما جرى إنجازًا مكتمل الأركان؟ أم أن الإنجاز الحقيقي يقاس بما عاد على الدولة من إنتاج واستثمارات واكتشافات جديدة؟

فالوزير تحدث مطولًا عن تصفير المديونيات، لكنه لم يخبر الرأي العام من أين جاءت الأموال التي تم بها السداد.

هل تم تدبير هذه المبالغ من الموارد الذاتية للقطاع وعائداته؟

أم تم السداد عبر قروض وتسهيلات مالية جديدة تحملتها الدولة، بما يصاحبها من فوائد وعمولات وأعباء إضافية؟

هذا السؤال ليس تفصيلًا هامشيًا، لأن الفرق بين الحالتين كبير للغاية. فإذا كان القطاع قد نجح في تدبير المبالغ من موارده الذاتية، فهذا دوره وواجبه والتزامه بإعتباره قطاع اقتصادى ولا مانع من الإشادة به. أما إذا كانت الأموال قد جاءت من خلال الاقتراض، فإن الأمر يصبح انتقالًا من مديونية إلى مديونية أخرى، مع تحميل إقتصاد الدولة أعباء إضافية.

الأهم من ذلك أن عملية السداد لم تبدأ اليوم، بل تمت على مراحل متتالية طوال الفترة التي قضاها الوزير على رأس قطاع البترول، وهو ما يجعل من حق الرأي العام أن يسأل عن النتائج التي تحققت على أرض الواقع.

فإذا كانت المديونيات قد تمت تصفيتها، وإذا كانت الشركات قد استعادت ثقتها، وإذا كانت برامج الحفر والاستكشاف قد عادت بقوة كما يؤكد الوزير، فأين انعكاس ذلك على الإنتاج؟.. خاصة وأن برنامج سداد الشركاء قد بدأ منذ عامين.


الأرقام تطرح أسئلة صعبة
سبق و أن أعلن الوزير  أن قطاع البترول نجح خلال العام المالي 2024-2025 في إضافة نحو 1.2 مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز الطبيعي إلى الإنتاج من خلال عدد من المشروعات الجديدة.

لكن إذا كان ذلك صحيحًا، فلماذا تراجع إجمالي إنتاج مصر من الغاز الطبيعي خلال الفترة نفسها من نحو 4.8 مليار قدم مكعب يوميًا إلى نحو 3.8 مليار قدم مكعب فقط؟

المعيار الحقيقي لأي وزير ليس حجم ما يضاف إلى الإنتاج، وإنما صافي النتيجة النهائية التي يصل إليها القطاع.

فالأرقام تقول إن مصر فقدت خلال عام واحد نحو مليار قدم مكعب يوميًا من إنتاجها الفعلي الذى تسلمه الوزير من سلفه، رغم كل ما تم الإعلان عنه من إضافات جديدة.

أما المليار ومائتا مليون قدم مكعب التي يتغنى الوزير بإضافتها، فهي لا تعني أن الإنتاج ارتفع بهذا المقدار، وإنما تعني أن التراجع كان سيصبح أكثر حدة لولا دخول هذه الكميات إلى الخدمة.

وبحسابات بسيطة، فإن معنى ذلك أن الحقول القائمة فقدت خلال الفترة نفسها ما يقرب من 2.2 مليار قدم مكعب يوميًا من إنتاجها، وأن المشروعات الجديدة لم تنجح إلا في تعويض جزء من هذا الانخفاض.. وهذا برهان على فشل المهندس كريم بدوى فى إدارة شئون قطاع البترول.

ولو لم تدخل الكميات التي يتحدث عنها الوزير إلى الشبكة القومية، لكان إنتاج مصر من الغاز قد هبط إلى نحو 2.6 مليار قدم مكعب يوميًا فقط، وهو ما يعني أن البلاد كانت ستواجه تراجعًا فى إنتاج الغاز الطبيعى يقترب من 46% مقارنة بمستويات الإنتاج السابقة، وهي أرقام تثير القلق أكثر مما تبعث على الاطمئنان.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كانت الدولة قد سددت 6.1 مليار دولار للشركاء الأجانب، واستعادت ثقتهم، وأعادت تنشيط برامج الحفر والتنمية، فلماذا لا تزال النتيجة النهائية انخفاضًا في الإنتاج؟

ولماذا جاء هذا الانخفاض بأرقام مقلقة رغم كل ما تم إنفاقه من أموال وكل ما تم تقديمه من حوافز؟

وهل كانت برامج التنمية والاستكشاف التي أُنفقت عليها هذه المليارات أقل من حجم التناقص الطبيعي للحقول القديمة؟

أم أن هناك عوامل أخرى تتعلق بإدارة القطاع وكفاءة استغلال الموارد وتأخر تنفيذ بعض المشروعات؟

الوزير محق عندما يقول إن تنمية حقول الغاز بالمياه العميقة في البحر المتوسط تحتاج إلى استثمارات ضخمة وسنوات من العمل قبل الوصول إلى الإنتاج التجاري. لكن هذا التفسير يفتح بابًا لتساؤل آخر: إذا كانت النتائج تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تظهر، فلماذا يتم تقديم تصفير المديونيات للرأي العام باعتباره نجاحًا مكتملًا قبل أن تظهر ثماره الفعلية؟

فالمواطن لا يقيس نجاح قطاع البترول بعدد البيانات الصادرة أو مخاطبة الوزير لحفنة كبار الكتاب ممن يتم اختيارهم بعناية لضمان عدم انفلات السنتهم باسئلة كاشفة لكونهم غير متخصصين فى شئون البترول، وإنما يقيسه بما يدخل إلى الشبكة القومية من غاز، وما يتم توفيره من عملة صعبة، وما يتم خفضه من فاتورة الاستيراد.

ولذلك فإن الاحتفال بتصفير المديونيات يظل خطوة مهمة تستحق التقدير، لكنه يحتاج أيضًا إلى توضيح وتفسير وإجابة عن الأسئلة التي طُرحت و تطرحها الأرقام.

فالاختبار الحقيقي يبدأ الآن.. هل ستترجم هذه المليارات التي دفعتها الدولة إلى اكتشافات جديدة؟

هل ستقود إلى زيادة حقيقية ومستدامة في الإنتاج؟

هل ستعيد مصر إلى مستويات إنتاج الغاز التي حققت الاكتفاء الذاتي ووفرت فائضًا للتصدير؟

أم أننا سنكتشف بعد سنوات أن ما جرى كان مجرد تسوية مالية ضرورية، لكنها لم تكن كافية وحدها لوقف نزيف الإنتاج؟

ويبقى السؤال الذي ينتظر المصريون إجابته:

إذا كانت المديونيات قد أصبحت صفرًا لأول مرة في تاريخ قطاع البترول، فلماذا لا تزال فجوة الإنتاج تتسع؟ وأين الأثر الحقيقي الذي يفترض أن تراه الدولة والمواطن مقابل 6.1 مليار دولار تم سدادها للشركاء الأجانب؟