أسامة داود يكتب: وزير البترول من إدارة اللقطة إلى إدمان اللقطة
هل أصبح المونوريل وسيلة نقل أم استوديو تصوير متنقل؟
ليست المشكلة أن يستقل وزير البترول المونوريل، فوسائل النقل العامة ليست عيبًا، والتواضع الحقيقي لا يحتاج إلى شهادة من أحد.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرحلة نفسها إلى خبر، وتصبح الصورة أهم من مضمونها، وتصبح الكاميرا طرفًا ثابتًا في المشهد، وكأننا أمام مسلسل يومي لا أمام مسؤول يدير قطاعًا كان لعقود طويلة قاطرة الاقتصاد المصري؟.. لم تكن وسائل النقل العامة يومًا أمرًا مستحدثًا على كبار المسؤولين أو رجال الدولة. فقد كان مترو الأنفاق شاهدًا على رحلات السياسي الراحل الكبير أسامة الباز، الذي اعتاد أن يستقله أحيانًا من منطقة كوبري القبة إلى وسط القاهرة، حيث مقر جامعة الدول العربية، لا بحثًا عن صورة، ولا رغبة في تسويق فضيلة التقشف، وإنما لأنها كانت ببساطة جزءًا من طبيعته الإنسانية التي خاصمت التكلف في كل تفاصيل حياته.
وحكى لي الزميل الأستاذ محمد أبو زيد، المحرر البرلماني السابق بجريدتي المصري اليوم والشروق، أنه فوجئ في صباح أحد الايام، قبل سنوات من ثورة 25 يناير، بالدكتور أسامة الباز يسير في منطقة باب اللوق ممسكًا بيده رغيفًا مفقع وقرطاسًا من الطعمية، متجهًا إلى مقر جامعة الدول العربية. فحرص على مرافقته، ليجد نفسه أمام رجل يتحدث بعفوية كاملة، ويتحرك بين الناس دون حواجز أو استعراض، ودون أن يخطر بباله أن ما يفعله يصلح مادة للتصوير أو مناسبة للإعلان عن تقشفه.
هكذا كانت طبيعة أسامة الباز؛ بساطة تلقائية لا تصطنع المشهد، ولا تبحث عن الكاميرا، ولا تسعى إلى إختلاق صورة ذهنية مصطنعة لدى الناس.
أما الفارق بين البساطة الحقيقية وبين ما يمكن تسميته بـ التقشف البذخي، فهو الفارق بين من يعيش حياته على سجيته، ومن يحول كل حركة إلى مشهد معد مسبقًا، وكل رحلة إلى مادة دعائية، وكل وسيلة انتقال إلى منصة لإعادة إنتاج الصورة ذاتها، حتى يتحول الأمر من مجرد إدارة للّقطة إلى نوع من إدمانها، ومن محاولة تقديم نموذج للتواضع إلى حالة من المبالغة الممجوجة، والرغبة في طبع صورة بعينها بالقوة الجبرية في ذهن المواطن.
فالتواضع الحقيقي لا يحتاج إلى عدسات تلاحقه، والبساطة الصادقة لا تبحث عن مخرج يتولى إخراجها، لأن ما يصدر عن الطبع لا يحتاج إلى تمثيل، أما ما يُصنع للكاميرا، فغالبًا ما يفضحه الإفراط في تكراره.
قبل أسابيع، أراد الوزير وعبر عدد من المشاهد واللقطات والاخبار عن استقلال الوزير للمونوريل تعبيراً عن البساطة والترشيد، ثم جاءت أخيرًا وقبل ساعات صور الوزير جالسًا وسط الركاب لتعيد إنتاج المشهد نفسه للمرة الثانية، وكأن المطلوب ليس ممارسة طبيعية، وإنما تثبيت صورة ذهنية بعينها، وتعويض نقص الإنجاز بلقطة جديدة.
وقبلها جرى الاحتفاء بما سمي إنجاز تصفير مديونيات الشركاء، وكأن سداد الالتزامات المستحقة أصبح إنجازًا استثنائيًا، بينما لم يتحدث الوزير عن مديونيات مليارية مستحقة على الشركاء لصالح شركات التصميمات و المشروعات والصيانة وتوريد العمالة وتقديم الخدمات منها بتروجت وانبى وصان مصر وبترومينت وابيسكو وتنمية وغيرهم، بينما ظل السؤال الحقيقي غائبًا: أين زيادة الإنتاج؟ وأين الاكتشافات؟ وأين استعادة القطاع لمكانته؟
التقشف البذخي
هناك نوع من التقشف يمكن وصفه بالتقشف البذخي.. وهى أن تتحرك مواكب ومرافقون وحراسات وسيارات إلى محطة الصعود، ثم تتحرك سيارات أخرى إلى محطة الوصول، وأن يصاحب المشهد مصورون ومساعدون وترتيبات خاصة، ثم يقال إن الحكومة وفرت تكلفة الانتقال.
إنها معادلة تبدو أقرب إلى الدعاية منها إلى الترشيد، وأقرب إلى صناعة الصورة منها إلى صناعة النتائج.
فالترشيد الحقيقي لا تصنعه الكاميرات، والتواضع الحقيقي لا يحتاج إلى مخرج، والبساطة لا تعلن عن نفسها.
ماذا لو رن الهاتف؟
وربما يطرح المنطق سؤالًا بسيطًا: ماذا لو ورد اتصال عاجل من الرئاسة؟ أو من مجلس الوزراء؟ أو من جهة سيادية بشأن أمر لا يحتمل التأجيل؟.. هل ينتظر الوزير حتى يصل إلى المحطة الأخيرة؟.. ام تتحول الأمور التي تخص الامن القومى الى مناقشات يكون الركاب احد أطرافها؟
على امتداد سنوات طويلة من متابعتى للتغطية الإخبارية خلال جولات للعديد من رؤساء الوزراء والوزراء وكبار المسئولين منهم الدكتور عاطف عبيد وماهر أباظة، والدكتور علي الصعيدي، والدكتور حسن يونس، والدكتور حمدي البنبي، والمهندس سامح فهمي وغيرهم.
وكان رجال الحراسة إذا تلقوا اتصالًا عاجلًا، يسرعون إلى الوزير ليبلغوه بالأمر، فيبتعد جانبًا ويختفى عن الجميع، ويبدأ على الفور متابعة ما وصله من تكليفات أو تعليمات أو قرارات لا تعرف رفاهية الانتظار.
لأن إدارة الدولة لا تعمل بمواعيد الرحلات، ولا تنتظر محطة الوصول.
أما أن يبقى المسؤول رهين رحلة تمتد ساعة أو أكثر، ثم يقف وسط عشرات الركاب ليرد على الاتصالات المهمة، فهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام ممارسة طبيعية، أم أمام مشهد تم ترتيبه بعناية ليستمر عرضه أمام العدسات؟
قطاع يحتاج إلى الغاز لا إلى الصورة
المفارقة أن هذا الشغف باللقطة يأتي في وقت يمر فيه قطاع البترول بواحدة من أصعب مراحله.
تراجع في الإنتاج، وأعباء متزايدة، واعتماد أكبر على الاستيراد، وتحديات مالية وفنية لا تخفى على أحد.
وهي ملفات لا تحلها الصور، ولا تعالجها الابتسامات، ولا تغيرها مقاطع الفيديو القصيرة.
فالآبار لا تنتج بالكاميرات، والحقول لا تعمل بالإخراج السينمائي، والاقتصاد لا يقاس بعدد الصور المنشورة على المواقع الإلكترونية.
من حق الوزير أن يعشق الصورة.. من حق أي مسؤول أن يحب الصورة، وأن يجيد العلاقات العامة. وأن يحرص على تقديم نفسه للرأي العام بصورة إيجابية.
لكن الصورة تصبح عبئًا عندما تتحول إلى غاية، وعندما تصبح اللقطة بديلًا عن الإنجاز، وحين يصبح الوصول إلى الكاميرا أسهل كثيرًا من الوصول إلى زيادة الإنتاج.
فالدول لا تتذكر عدد المرات التي جلس فيها المسؤول داخل عربة المونوريل.
لكنها تتذكر ماذا أضاف، وماذا أنجز، وماذا ترك خلفه.
ويبقى السؤال: إذا كانت اللقطات قادرة على زيادة إنتاج الغاز، وخفض فاتورة الاستيراد، وإعادة القطاع إلى مكانته القديمة، فلماذا نتعب أنفسنا في البحث عن الآبار؟
أما إذا كانت الأرقام وحدها هي التي تصنع الإنجازات، فربما آن الأوان لأن يعود قطاع البترول إلى إدارة الطاقة.. لا إدارة الكادر.
