أسامة داود يكتب : من يحاصر قلاع السكر المصرية؟ (3)
كيف تحول الاكتفاء الذاتي إلى أزمة.. ومن المستفيد من اختناق الصناعة الوطنية؟
ستة عشر قلعة في مرمى خفافيش الظلام
إذا كانت المصانع الوطنية عاجزة عن تصريف إنتاجها فلماذا يتم فتح الاستيراد للقطاع الخاص؟
لم تسقط الإمبراطوريات الصناعية الكبرى في العالم لأنها فشلت في الإنتاج.. ولم تغلق المصانع العملاقة أبوابها لأن العمال فقدوا مهاراتهم.. ولم تنهار الزراعات الاستراتيجية لأن الفلاحين توقفوا عن الزراعة.
لكن كثيراً من الصناعات العريقة بدأت رحلة السقوط عندما تحول النجاح نفسه إلى عبء، وعندما أصبحت زيادة الإنتاج أزمة بدلاً من أن تكون مصدر قوة.
وهذا بالضبط ما تعيشه قلاع صناعة السكر المصرية اليوم.
ففي الوقت الذي نجحت فيه الدولة المصرية، بعد سنوات طويلة من التوسع في زراعة البنجر وتطوير المصانع القائمة وإقامة مصانع جديدة ورفع كفاءة الاستخلاص، في تحقيق واحد من أعلى معدلات إنتاج السكر في تاريخها، فوجئت الشركات بأن الأسواق لا تتحرك، والمخازن امتلأت، ومبيعات الإنتاج تتراجع بصورة غير مسبوقة.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز القفز فوقه: إذا كانت المصانع نجحت.. وإذا كان المزارعون تفوقوا على أنفسهم حتى ان إنتاجية الفدان ارتفعت من 30 الى 50 طن.. وإذا كانت مصر اقتربت من تحقيق الاكتفاء الذاتي.. فمن الذي أخفق؟.. ومن الذي سمح بتحويل الإنجاز إلى أزمة؟
مفارقة تثير الدهشة
على مدى عقود طويلة، كان الحلم المصري يتمثل في تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.. وكانت الحكومات المتعاقبة تنفق المليارات لتشجيع زراعة البنجر والقصب، وتحديث المصانع ورفع كفاءتها، وزيادة إنتاجية الفدان.
وكانت كل زيادة في الإنتاج تعد انتصاراً.. لكن المفارقة العجيبة أن نجاح مصر في الوصول بإنتاج السكر إلى نحو 3.18 مليون طن، وتحقيق نسبة اكتفاء ذاتي بلغت 82.5% لأول مرة، لم يتحول إلى قصة نجاح، بل تحول إلى بداية أزمة خانقة.
فالسكر الذي كان يفترض أن يترجم إلى قوة اقتصادية، أصبح حبيس المخازن.
بل إن المشهد تجاوز ذلك، بعدما اضطرت الشركات إلى تخزين كميات ضخمة في الساحات والطرقات الداخلية وتحت المشمعات، بعد امتلاء المخازن بالكامل بإنتاج عامين متتاليين..
قلاع صناعة السكر، وخفافيش الظلام
الأزمة لا تخص مصنعاً واحداً.. بل تضرب ستة عشر قلعة صناعية تمثل العمود الفقري لصناعة السكر المصرية.. في مقدمتها شركة الدلتا للسكر بكفر الشيخ، أكبر قلاع إنتاج سكر البنجر في مصر والشرق الأوسط والتي كانت هي البداية في استزراع البنجر بعدما كان الاعتماد للمصانع القديمة في الصعيد على قصب السكر، تليها شركات الدقهلية للسكر، والنوبارية، والفيوم، والنوران بمحافظة الشرقية، فضلاً عن مصانع شركة السكر والصناعات التكاملية الممتدة من الحوامدية إلى أسوان.
عشرة مصانع للقصب تشكل تاريخ الصناعة المصرية، من الحوامدية وأبوقرقاص ونجع حمادي ودشنا وقوص وأرمنت وإدفو وكوم أمبو، وغيرها من القلاع التي خرجَت أجيالاً من العمال والفنيين وأصبحت جزءاً من تاريخ الاقتصاد المصري.
معركة غير متكافئة
لا توجد صناعة وطنية في العالم تستطيع أن تصمد في ظل منافسة غير عادلة.. فالشركات التي يشارك فيها المال العام تتحمل كل شيء.. تشتري البنجر والقصب من المزارعين، تدفع أجور العمال، تتحمل تكاليف الطاقة والصيانة، وتتحمل أعباء التمويل والفوائد والضرائب، وتلتزم بالحفاظ على العمالة والخبرات.
وفي المقابل، لا يتحمل المستورد سوى تكلفة شراء السكر من الخارج وإدخاله إلى السوق.. والنتيجة أن المنتج الوطني يجد نفسه في مواجهة غير متكافئة.
ليست معركة بين شركات.. بل معركة بين مفهوم الدولة ومفهوم التجارة السريعة..من المستفيد؟
رغم صدور قرار رئيس الوزراء بحظر استيراد السكر، فإن الاستثناءات ظلت باباً مفتوحاً.
وتشير المعلومات التي حصلت عليها "طاقة نيوز" إلى منح تصاريح لاستيراد مئات الآلاف من الأطنان، تحت دعاوى مختلفة، رغم وجود ملايين الأطنان من السكر المصري الراكد داخل الشركات.. وتكشف المعلومات أن شركة الإسكندرية للسكر حصلت على موافقات لاستيراد نحو 250 ألف طن.. وكان الأصل أن تقتصر الكميات المستوردة على أغراض التصنيع وإعادة التصدير.
لكن الواقع العملي أدى إلى ضخ كميات داخل السوق المحلية، لتدخل في منافسة مباشرة مع السكر الوطني.
وهنا يبرز السؤال: إذا كانت المصانع الوطنية عاجزة عن تصريف إنتاجها، فلماذا يتم فتح أبواب جديدة أمام الواردات؟.. ومن المستفيد من اختناق السوق؟
القطاع العام يدعم المصريين.. فمن يدعم القطاع العام؟
حين ارتفع سعر السكر إلى نحو 70 جنيهاً للكيلو خلال أزمة 2024، وحين تجاوز 42 جنيهاً في مراحل أخرى، كانت الشركات التابعة للمال العام تورد إنتاجها بأسعار تقل كثيراً عن الأسعار السائدة.. بل إن الحكومة كانت تحصل على السكر من الشركات الوطنية بنحو 14.5 جنيه فقط للكيلو، في الوقت الذي كانت التكلفة الفعلية تقترب من 27 جنيها.. وعندما قامت إحدى الشركات ببيع كميات بالأسعار السائدة تم محاكمة وحبس رئيس مجلس إدارتها.
نعم.. هذه رسالة القطاع العام.. وهذا دوره الوطن.. لكن هل من المنطق أن يتحمل وحده فاتورة الدعم؟
وهل يجوز أن تستنزف الشركات الوطنية، ثم يخرج علينا البعض ليعلن أن القطاع العام خاسر، وأن الحل هو البيع والتخلص من الأصول؟
أليس هذا هو السيناريو نفسه الذي شهدته صناعات الحديد والصلب والغزل والنسيج والورق وغيرها؟
تمييز في التمويل
في الوقت الذي تواجه فيه الشركات التي يشارك فيها المال العام أزمات سيولة، وتلجأ إلى السحب على المكشوف لتدبير احتياجاتها، نجد أن شركات القطاع الخاص تحصل على تسهيلات مصرفية بمليارات الجنيهات.
بينما لا تحظى الشركات الوطنية بالمعاملة نفسها.
والنتيجة أن الشركات العامة تتحمل الأعباء، بينما يتمتع الآخرون بمرونة أكبر في التمويل والتسويق.
حتى المزارع تدافع عنه الشركات.. تدفع الشركات للمزارعين نحو 2300 جنيه للطن، ترتفع بالعلاوات والحوافز إلى 2500 جنيه.
وفي بعض الحالات تضطر الشركات إلى استلام البنجر رغم تكدسه، وحتى مع تعرض بعض الكميات للتلف نتيجة حرارة الصيف وطول فترات التشوين، فيتم التخلص منه بإعدام الكميات التالفة فور تسلمها وبعد وزنها مباشرة ..كل ذلك حتى لا يعزف المزارع عن زراعة محصول استراتيجي.
وفي المقابل، تجد هذه الشركات نفسها ملزمة بشراء بنجر وافد من مناطق الاستصلاح الجديدة بأسعار تقترب من أربعة آلاف جنيه للطن، دون أن يكون لها حق الاعتراض.. أي منطق اقتصادي يتحمل ذلك؟ ، وأي صناعة يمكن أن تستمر وسط هذه التناقضات؟
العالم يفعل العكس
الدول الكبرى لا تترك صناعاتها الاستراتيجية تواجه مصيرها، عندما يظهر فائض إنتاج، تتحرك الحكومات.. تفتح أسواقاً جديدة ، وتدعم التصدير، وتبني مخزوناً استراتيجياً، وتوفر السيولة، وتحمي المنتج الوطني
لأن خسارة المصانع أسهل كثيراً من إعادة بنائها.. ولأن فقدان الخبرات الوطنية لا يعوضه المال.
بين حسابات التجار وحسابات الدولة.. التاجر يبحث عن الربح.. أما الدولة، فمسؤوليتها الحفاظ على الأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، والخبرات الوطنية، وملايين الأسر التي ترتبط بهذه الصناعة.
ولهذا فإن صناعة السكر لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد سلعة.
إنها قضية أمن قومي، وقضية استقلال اقتصادي، وقضية حق الأجيال القادمة في أن تجد ما بناه الآباء والأجداد قائماً، لا أن تقرأ عنه في كتب التاريخ.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كانت المصانع نجحت في الإنتاج.. وإذا كان المزارعون نجحوا في الزراعة.. وإذا كان العمال حافظوا على واحدة من أكبر الصناعات الغذائية في الشرق الأوسط.
فمن الذي سمح بتحويل النجاح إلى أزمة؟.. ومن الذي ترك القلاع الصناعية تختنق؟
