أسامة داود يكتب: الوزير يحتفل بتصفير الديون .. وخزانة الدولة تدفع فاتورة بالمليارات.. فأين الغاز؟
من سداد الشركاء إلى استيراد النجدة.. ماذا جرى لقطاع البترول؟
حين تتحول إنجازات الاحتفالات إلى فواتير بالمليارات
سبعة مليارات دولار في شهرين.. من يدفع ثمن تراجع الإنتاج؟
بين الاحتفالات الصاخبة بتصفير مستحقات الشركاء الأجانب، والابتسامات العريضة التي صاحبت إعلان ما وصفه وزير البترول المهندس كريم بدوي بالإنجاز الاستراتيجي غير المسبوق، كان كثيرون يظنون أن الطبقات الجيولوجية المحملة بالغاز الطبيعى والزيت الخام سوف تبوع بأسرارها و ترسل خيراتها عبر آبار جديدة يتم حفرها ، وأن الغاز سيعود متدفقاً إلى الشبكة القومية، وأن مصر ستقترب من استعادة أمنها القومي للطاقة.
لكن يبدو أن الأرقام الحقيقية كانت أكثر دوياً فكان من الصعب أن تخفيها الاحتفالات الوهمية وبيانات المجاملات البروتوكولية.
فبينما كانت الوزارة تحتفل بتصفير الديون، كانت فاتورة أخرى، أكثر ضجيجًا وأشد وقعًا، تخرج من الظل لتدق جرس الإنذار، وتطرح سؤالًا لا تستطيع البيانات الاحتفالية الإجابة عنه: إذا كانت الديون قد صُفِّرت.. فأين الغاز؟
أكبر فاتورة استيرادية
السؤال ليس ترفاً، ولا محاولة للبحث عن بطولة صحفية، وإنما تفرضه أرقام ثقيلة تكشف أن مصر تضخ حالياً، خلال شهري يونيو ويوليو 2026 فقط وحسب تقديرات خبراء بوزارة البترول إلى أكثر من 7.145 مليار دولار لتدبير احتياجاتها من الطاقة، في واحدة من أكبر فواتير الاستيراد التي عرفها القطاع.
والمفارقة التي تستحق التوقف أن الدولة سددت مستحقات الشركاء الأجانب، وعدلت اتفاقيات الامتياز، ومنحت الشركات الأجنبية مزايا وحوافز إضافية.. على أمل أن ينعكس ذلك في صورة زيادة للإنتاج، فإذا بالمشهد ينقلب رأساً على عقب، وتصبح الدولة مطالبة بسداد فاتورتين في وقت واحد، الأولى لسداد مستحقات الشركاء، والثانية لاستيراد الغاز والوقود من الخارج.. بجانب ما تم انتقاله من حصة مصر فى تعديل الاتفاقيات البترولية بتعليمات الوزير لصالح حصة الشركاء!
وهنا يبرز السؤال الذي ينتظر المصريون إجابته: من أين جرى سداد تلك المستحقات؟ وهل تم السداد من الموارد الذاتية للقطاع، أم من أموال الخزانة العامة؟ وإذا كانت الدولة قد دفعت ما عليها.. فأين العائد الإنتاجي الذي كان يفترض أن يعود على البلاد؟
الاقتصاد العاطفي!
عندما تسدد المتأخرات، وتمنح الحوافز، وتعيد صياغة الاتفاقيات بصورة أكثر سخاءً، فإن المقابل الطبيعي هو زيادة الإنتاج، وحفر آبار جديدة، وتقليص فاتورة الاستيراد، وليس الوصول إلى وضع تصبح فيه الدولة مضطرة إلى مطاردة شحنات الغاز في الأسواق العالمية بأسعار تلامس عشرين دولاراً للمليون وحدة حرارية.. وكأن البترول قد اخترع نظرية الاقتصاد العاطفي!.
لكن الأرقام، كعادتها، لا تعرف لغة التصفيق.. وتكشف التقديرات الخاصة باحتياجات الطاقة خلال شهري الذروة الصيفية أن واردات الغاز الطبيعي المسال وحدها ستبتلع نحو 3.484 مليار دولار، أي ما يقرب من نصف إجمالي الفاتورة، مع الحاجة إلى استيراد نحو 2.8 مليار قدم مكعب يومياً، خلال 61 يوماً فقط.
ويا للمفارقة..فالحكومة التي كانت تتحدث قبل سنوات عن الاكتفاء الذاتي، وتستعد لارتداء عباءة المركز الإقليمي للطاقة، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى العودة إلى الأسواق العالمية لشراء الغاز بأسعار مرتفعة، وكأن الزمن يدور في حلقات مغلقة.. ولا يتوقف النزيف عند حدود الغاز.
فهناك 200 ألف برميل يومياً من الزيت الخام بإجمالى 12.2 مليون برميل خلال نفس المدة بمتوسط 114 دولار للبرميل بقيمة 1.391 مليار دولار.
ليس عند هنا يتوقف نزيف العملات الصعبة التى تنتزع دولاراتها من اللحم الحى للاقتصاد المصري لتغطية اخفاقات الادارة الخواجاتية لقطاع البترول ولكن يمتد النزيف عبر توريط الخزانة العامة فى تدبير 1.35 مليار دولار لاستيراد مليون و250 ألف طن من السولار، و470 مليون دولار لاستيراد حوالى 400 الف طن من البنزين، و306 ملايين دولار للبوتاجاز، و144 مليون دولار للمازوت. كل ذلك فى الوقت الذى أنفق القطاع على تطوير معامل التكرير المصرية مليارات الدولارات عبر قروض تسدد مع فوائد باهظة.. بينما تعمل تلك المعامل عند أقل من 30 % من طاقتها التصميمية.
7مليارات دولار لإطفاء عطش السوق
عفواً يا سادة إننا أمام فاتورة تتجاوز السبعة مليارات بمائة وخمسة وأربعين مليون دولار خلال شهرين فقط.
فاتورة تكفي لتمويل استثمارات ضخمة، أو إطلاق برامج تنمية واستكشافات قادرة على تغيير خريطة الإنتاج، لكنها تذهب هذه المرة لإطفاء عطش السوق المحلية.. بجانب مليار قدم مكعب يتم استيرادها يوميا عبر الخطوط.. لم يتم احتسابها ضمن رقم المليارات السبعة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل كانت الحكومة تدرك حجم الفجوة الحقيقية بين الاحتياجات الفعلية وبين انتاجنا المتراجع من الغاز والذى هبط من 4،8 مليار قدم إلى 3،8 مليار قدم فقط متضمنا حصة متصاعدة لصالح الشركاء بفعل تعديل الاتفاقيات التى يجريها الخواجة كريم.
وكيف قفزت الفاتورة إلى تلك الأرقام خاصة مع تجاهل تشغيل معامل التكرير للغير و بطاقتها القصوى حتى توفر جزء من العملات الصعبة لتغطية احتياجات القطاع.
وهل أصبحت أزمة الطاقة أكبر بكثير مما تعكسه البيانات الرسمية؟
ثم ماذا حصدت مصر في المقابل؟
فالدولة سددت المستحقات، والاتفاقيات جرى تعديلها، والحوافز الاستثنائية قُدمت، والامتيازات توسعت.
لكن النتائج .. تراجع الإنتاج وزيادة الاستيراد وعدم استغلال طاقتنا التكريرية.
وهنا لا نتحدث عن اجتهادات شخصية، وإنما عن أرقام أكدها متخصصون وخبراء من داخل قطاع البترول نفسه.
ولهذا ننتظر إجابة واضحة من المهندس كريم بدوي.. فإذا كانت هذه الأرقام صحيحة، فما هى الأسباب التى تجعل قطاع البترول مُستنزف على كل الجبهات؟ ومن الذي سيتحمل فاتورة تتجاوز 7.145 مليار دولار خلال شهرين فقط؟
هل تتحملها وزارة البترول من مواردها الذاتية؟. أم تتحملها الخزانة العامة؟ ليدفعها المواطن المصري في النهاية من خلال موجات جديدة من زيادة أسعار الوقود، وكل السلع.
تلك الزيادات التي أصبحت أشبه بسياط متلاحقة تلهب ظهر المواطن على مدار العام؟
أما إذا كانت هذه الأرقام غير صحيحة، فلتخرج الوزارة بالأرقام الحقيقية.
فالشفافية في قطاع بحجم قطاع البترول ليست منحة، وإنما حق للمجتمع.
لأن الأمن القومي للطاقة لا تصنعه المؤتمرات، ولا البيانات الاحتفالية، ولا الصور التذكارية، ولا سفريات الوزير الماكوكية مع مرافقيه.. وإنما تصنعه الآبار التي تضخ البترول، والإنتاج الذي يرتفع، والفاتورة التي تنخفض.
أما إذا كانت الحصيلة النهائية لكل ما جرى من سداد للديون، ومنح للحوافز، وتعديل للاتفاقيات، هي استيراد طاقة بأكثر من سبعة مليارات دولار خلال شهرين فقط.
فإن السؤال سيبقى معلقاً فوق رؤوس الجميع: إذا كانت الديون قد صُفرت، فأين الغاز؟ ولصالح من يتم إدارة وزارة البترول؟
