أسامة داود يكتب : جيش السكر المصري.. الثروة التي لا تظهر في دفاتر الحسابات ( 4 )
عرق الفلاحين وخبرة العمال.. الوجه الذي لا يراه أحد في هذه الصناعة المهمة
قبل أن يصبح السكر سلعةً على أرفف المتاجر، كان وجوهًا لفلاحين أرهقتهم الشمس، وأيدي عمالٍ حفر الزمن فوق راحتها، ومدنًا كاملة اختلطت سحب مداخنها بهوائها وصفارات المصانع ودوى ماكيناتها.
وحين نتحدث اليوم عن صناعة السكر، فإننا لا نتحدث عن منتج غذائي فحسب، بل عن واحدة من أقدم الصناعات الوطنية التي صاغت حياة مئات الآلاف من المصريين، وأسهمت في تشكيل مدن وقرى واقتصادات محلية امتدت جذورها لأكثر من مائتي عام.
كثيرون يحسبون ثروة الدول بما تمتلكه من مصانع، وآلات، وأراضٍ، ورؤوس أموال. لكن الأمم التي تعرف قيمة الصناعة تدرك أن أعظم أصولها ليست ما يظهر في الميزانيات، ولا ما يدرج ضمن أصولها؛ إنه الإنسان الذي يحمل المعرفة، والخبرة، وأسرار المهنة، والقدرة على نقلها من جيل إلى آخر.
هذه هي الثروة الحقيقية التي لا تُقيد في دفاتر الحسابات، ولا يمكن شراؤها في الأسواق، ولا تعوضها مليارات الجنيهات إذا ضاعت.
دروس من اوربا
ولعل التاريخ يقدم الدرس الأوضح. فعندما فرض نابليون بونابرت الحصار القاري على أوروبا بين عامي 1806 و1814، انقطعت إمدادات سكر القصب القادم من المستعمرات، ووجدت القارة نفسها أمام أزمة غذائية واقتصادية دفعتها إلى البحث عن بديل محلي.
ومن هنا بدأت الثورة الحقيقية في صناعة سكر البنجر، فتحولت الأزمة إلى نقطة انطلاق لبناء صناعة استراتيجية استمرت حتى اليوم.
وتكرر المشهد خلال الحربين العالميتين، عندما تعطلت التجارة الدولية، وتراجعت الإمدادات، واضطرت دول كثيرة إلى فرض نظم التموين وتقنين استهلاك السكر، بعدما أصبح سلعة ترتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لا مجرد مادة للتحلية.
ومن يقرأ تاريخ الصناعة في العالم يكتشف أن الدول لم تكن تتعامل مع السكر بمنطق الربح والخسارة فقط، وإنما باعتباره ركيزة من ركائز الأمن القومي. لذلك دعمت مصانعها، وحافظت على خبراتها، واستثمرت في الإنسان قبل أن تستثمر في خطوط الإنتاج.
وفي مصر، لم تكن صناعة السكر يومًا مجرد نشاط اقتصادي، بل كانت مشروعًا لبناء مجتمعات كاملة. فحول كل مصنع نشأت مدينة، وتكونت أسر، وازدهرت حرف، وتراكمت خبرات مهنية نادرة، حتى أصبحت المصانع مدارس حقيقية خرجت أجيالًا من العمال والفنيين والكيميائيين والمهندسين الذين تعلموا أسرار هذه الصناعة بالممارسة والخبرة، وليس في قاعات الدراسة وحدها.
خبرات لا يمكن استيرادها
وهؤلاء هم جيش السكر المصري الذي لا يعرف الناس أسماء أفراده، رغم أنهم حملوا على أكتافهم صناعة وطنية كاملة. تعلموا كيف يحولون القصب والبنجر إلى عشرات المنتجات، وكيف يتعاملون مع كل مرحلة إنتاجية بدقة اكتسبوها عبر سنوات طويلة من العمل.
هذه الخبرات لا تستورد من الخارج، ولا يمكن نقلها في شحنات، ولا تعوضها أحدث الآلات إذا غاب الإنسان القادر على تشغيلها.
ولهذا فإن خسارة الخبرة البشرية أخطر كثيرًا من خسارة مصنع، لأن المصنع يمكن إعادة بنائه، أما الإنسان الذي يحمل ذاكرة المهنة فقد يحتاج تعويضه إلى عقود طويلة.
إن الحفاظ على الصناعة يبدأ بالحفاظ على الإنسان. فالمباني يمكن تشييدها، والآلات يمكن استيرادها، أما العقول التي تراكمت بها المعرفة، والأيدي التي صنعت التاريخ، هي الثروة التي تستحق أن تُحاط بكل أسباب الحماية.
ولذلك، فإن الدفاع عن صناعة السكر لا يبدأ من المخازن ولا من الأسواق، وإنما يبدأ من الإنسان الذي صنع هذه الصناعة، ومن الإيمان بأن الأمم لا تُبنى بما تستورده، بل بما تحافظ عليه من خبرات، وما تملكه من بشر قادرين على تحويل الأرض إلى إنتاج، والإنتاج إلى أمن، والأمن إلى مستقبل
