أسامة داود يكتب : مطلوب تنظيم سوق السكر كسلعة استراتيجية تمس الأمن الغذائي المصري (6)

أسامة داود يكتب : مطلوب تنظيم سوق السكر كسلعة استراتيجية تمس الأمن الغذائي المصري (6)

 نحتاج سياسة معلنة تضمن تحرك واردات السكر والإنتاج المحلى فى إطار متوازن، يحافظ على مصالح المزارع والمصنع والمستثمر والمستهلك

يجب إدارة المنافسة داخل السوق بما يحقق التوازن بين حرية الاستثمار واستدامة الصناعة الوطنية

55 ألف طن تعيد فتح الملف.. هل تحتاج سوق السكر إلى مراجعة قواعد المنافسة؟



لم تكن شحنة السكر الخام التي وصلت خلال الأيام الماضية إلى أحد الموانئ المصرية مجرد خبر اقتصادي عابر، بل أعادت إلى الواجهة سؤالًا ظل يتردد في كل حلقات هذه الحملة:  كيف يمكن التوفيق بين سياسة الدولة التي استثمرت مليارات الجنيهات في التوسع بزراعة البنجر وتطوير مصانع السكر، وبين استمرار دخول شحنات جديدة من السكر الخام في وقت تتحدث فيه شركات عاملة بالقطاع عن صعوبات في تسويق جانب من إنتاجها؟

هذا التحقيق لا يصدر أحكامًا، ولا يوجه اتهامات، وإنما يحاول أن يجمع خيوط صورة اقتصادية معقدة، وأن يطرح الأسئلة التي تستحق إجابات واضحة من جميع الأطراف.

لقد تناولت الحلقات السابقة كيف اقتربت مصر من مستويات مرتفعة من الإنتاج المحلي، وكيف توسعت زراعة البنجر، وكيف تحولت مصانع السكر إلى ركيزة من ركائز الأمن الغذائي، ثم كيف ظهرت تحديات تتعلق بالتسويق وتراكم كميات من الإنتاج لدى معظم  الشركات.

واليوم تطفو على السطح واقعة جديدة تستحق التوقف عندها.

فبحسب معلومات مؤكدة، وصول شحنة سكر خام تقدر بنحو 55 ألف طن إلى ميناء دمياط لصالح إحدى شركات صناعة السكر. واستيراد السكر الخام في حد ذاته ليس أمرًا محظورًا بالضرورة لكنه مرتبط بموافقة مجلس الوزراء وفى الحالات التى يتراجع فيها الانتاج المحلى عن تغطية احتياجات السوق.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو : كيف تُدار العلاقة بين الواردات والإنتاج المحلي عندما تكون السوق قد شهدت زيادة في الإنتاج المحلي خلال السنوات الأخيرة؟

ويقول عدد من المتخصصين والعاملين في قطاع صناعة السكر، لـ طاقة نيوز ، إن السكر الخام المستورد قد يكون أقل تكلفة من السكر المنتج محليًا فى ظل دعم العديد من دول العالم صناعة السكر بها، وبعد احتساب عناصر التكلفة المختلفة.


الصناعة المحلية بين تكاليف الإنتاج وتسلل الاستيراد 


يكشف عدد من المتخصصين والعاملين بصناعة السكر،  عن اختلاف جوهرى بين نموذجى الإنتاج داخل سوق السكر المصرية.

ففى الوقت الذى تبدأ فيه رحلة شركات السكر الوطنية من الحقل، بشراء محصول البنجر أو القصب من المزارع المصرى، ثم تتحمل تكلفة النقل والتفريغ والاستخلاص والتصنيع والطاقة والعمالة والصيانة والتعبئة والتخزين والتمويل، تبدأ رحلة بعض الشركات الأخرى التابعة للقطاع الخاص من الميناء، باستيراد السكر الخام ثم إخضاعه لعمليات التكرير والتنقية والتجفيف والتعبئة قبل طرحه فى الأسواق.

ووفقًا لتقديرات متداولة داخل القطاع، يصل السكر الخام المستورد - بحسب الأسعار العالمية وتكاليف الشحن - بتكلفة تتراوح بين 16 و18 ألف جنيه للطن نظرا للدعم المقدم له.

وبعد وصوله إلى المصنع، يخضع لعدد من العمليات الصناعية، تشمل التكرير وإزالة الشوائب، ورفع درجة النقاء، والتجفيف، والغربلة، ثم التعبئة، بتكلفة إضافية تُقدر بنحو 2000 جنيه للطن، لتصل التكلفة الإجمالية - وفق هذه التقديرات - من نحو 18 إلى 20 ألف جنيه للطن قبل التسويق.

وفى المقابل، تشير تقديرات العاملين بالقطاع إلى أن شركات السكر المنتجة من البنجر أو القصب قد تتحمل تكلفة إنتاج تصل إلى نحو 25 ألف جنيه للطن، نتيجة التزامها بشراء المحصول من المزارعين، وسداد تكاليف الزراعة والطاقة والعمالة والصيانة والنقل والتخزين، فضلًا عن استمرار تشغيل المصانع طوال الموسم، حتى مع انخفاض نسبة السكر فى المحصول خلال المراحل المتأخرة من موسم التوريد.

وهنا لا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين نموذج صناعى وآخر، فلكل شركة نموذج أعمالها، وإنما يبرز سؤال اقتصادى مشروع:

إذا كانت هناك فروق فى هيكل التكلفة بين المنتجين، فكيف تُدار المنافسة داخل السوق بما يحقق التوازن بين حرية الاستثمار واستدامة الصناعة الوطنية؟

وهل تكفى آليات السوق وحدها لتحقيق هذا التوازن، أم أن الأمر يستدعى مراجعة دورية لسياسات الاستيراد، فى ضوء حجم الإنتاج المحلى، والمخزون المتاح، واحتياجات السوق الفعلية؟

ويذهب بعض المتخصصين إلى أن هذه التساؤلات تكتسب أهمية أكبر خلال شهور يونيو ويوليو، مع انتهاء موسم توريد البنجر وتراجع كفاءة استخلاص السكر من المحصول المتأخر، وهى الفترة التى قد تتجه خلالها بعض الشركات التى تعتمد على التكرير إلى زيادة وارداتها من السكر الخام وفق احتياجاتها التشغيلية بل تتوقف من استلام البنجر من المزارعين.

ومن ثم، فإن القضية لا تتمثل فى استيراد شحنة أو عدم استيرادها، وإنما فى وجود سياسة معلنة وشفافة تضمن أن تتحرك الواردات والإنتاج المحلى فى إطار متوازن، يحافظ على مصالح جميع أطراف المنظومة، من المزارع إلى المصنع، ومن المستثمر إلى المستهلك.


وهذه التقديرات تحتاج إلى توضيح رسمي من الجهات المختصة، كما تحتاج إلى عرض وجهة نظر الشركات المعنية.

فإذا كانت هذه الفروق صحيحة، فإن السؤال الاقتصادي يصبح مشروعًا:

هل توجد آليات تضمن استمرار المنافسة العادلة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استدامة الشركات التي تتحمل تكاليف شراء المحاصيل المحلية والعمالة والطاقة والصيانة؟

وهل تختلف نماذج الأعمال بين الشركات بما يفسر اختلاف هيكل التكلفة، أم أن السوق تحتاج إلى مراجعة أوسع لآليات تنظيمها؟

إن القضية هنا ليست منافسة بين قطاع عام وقطاع خاص، فكلاهما جزء من الاقتصاد الوطني، وإنما تتعلق بكيفية إدارة سوق سلعة استراتيجية تمس الأمن الغذائي ومصالح المزارعين والمستهلكين والاستثمارات الصناعية معًا.

ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي نأمل أن تجد إجابات واضحة:

ما حجم المخزون المحلي وقت السماح باستيراد الشحنات الأخيرة؟ وهل رقم مليون طن حقيقى أم يزيد عنه.

ما المعايير التي تُبنى عليها الموافقات الخاصة بالاستيراد؟

وهل تُجرى مراجعة دورية لأثر الواردات على حركة تسويق الإنتاج المحلي؟

وما الخطط الموضوعة للتوسع في التصدير إذا ارتفع الإنتاج المحلي عن احتياجات السوق؟

هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك في أحد، بل تهدف إلى دعم الشفافية في ملف يرتبط بصناعة يزيد عمرها على مائتي عام، وبآلاف المزارعين والعمال، وباستثمارات ضخمة ضختها الدولة والقطاع الخاص.

وما الذى ينعكس على تلك الصناعة حال تطور الواردات، وأثرها على السوق، وما إذا كانت هناك حاجة إلى تحديث سياسات إدارة قطاع السكر بما يحقق التوازن بين تشجيع الاستثمار، وحماية الصناعة الوطنية، وتعزيز الأمن الغذائي.

وللحديث بقية إن شاء الله