أسامة داود يتساءل: هل حصلت مصر على المقابل العادل مقابل استخدام بنيتها التحتية لخدمة غاز كرونوس؟

أسامة داود يتساءل: هل حصلت مصر على المقابل العادل مقابل استخدام بنيتها التحتية لخدمة غاز كرونوس؟

هل  تنازلنا عن حقنا في نسبة من الغاز القبرصي الذي يعبر أراضين؟.. وما المقابل الذي حصلنا عليه ؟


لم يعد السؤال اليوم: هل يتم تصدير  الغاز القبرصي للخارج من خلال مصر؟

فهذا الأمر أصبح محسومًا بعد إعلان قرار الاستثمار النهائي لمشروع حقل كرونوس، وما تبعه من احتفاء رسمي باعتباره إنجازًا جديدًا يؤكد مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة.

لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح نفسه هو: هل حصلت مصر على المقابل العادل لاستخدام بنيتها التحتية؟

فليس كل اتفاق يمر عبر الأراضي المصرية يحقق بالضرورة أفضل عائد للدولة، وليس كل استخدام للبنية الأساسية يعني تعظيمًا لقيمتها الاقتصادية.

وهنا تبدأ الأسئلة.

لقد أنفقت مصر، على مدار سنوات، مليارات الدولارات لإنشاء شبكة متكاملة تضم خطوط نقل بحرية وبرية، وتسهيلات استقبال ومعالجة الغاز، ووحدات إسالة في دمياط وإدكو، لتصبح من أكبر مراكز البنية التحتية للغاز في شرق المتوسط.

هذه الأصول لم تنشأ بالمجان، ولم تمولها شركات أجنبية، وإنما تحمل الاقتصاد المصري تكلفتها على مدار سنوات طويلة، باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا يفترض أن يحقق أعلى عائد ممكن للدولة.

ومع إعلان اتفاقات استخدام هذه البنية في مشروع كرونوس، يصبح من حق الرأي العام أن يعرف: ما هو المقابل الحقيقي الذي ستحصل عليه مصر؟

فالبيان الصادر عن وزارة البترول تحدث كثيرًا عن الثقة الدولية، والمركز الإقليمي للطاقة، والقيمة المضافة، لكنه لم يقدم للرأي العام

الأرقام التي تجيب عن السؤال الأهم: كم ستربح مصر؟.. وهل تعكس الرسوم المقررة القيمة الاقتصادية الحقيقية لاستخدام هذه الأصول؟

المعلومات المتداولة بشأن الاتفاقية تثير تساؤلات جوهرية تحتاج إلى إجابات واضحة.

فإذا كانت مصر قد تنازلت عن حقها في الحصول على نسبة من الغاز القبرصي الذي يعبر أراضيها، فما المقابل الذي حصلت عليه الدولة نظير هذا التنازل؟

وإذا كانت منشآت معالجة الغاز وفصل المياه ستستخدم لاستقبال الغاز القادم من كرونوس، فكيف حُددت تكلفة استخدامها؟.. وهل تتحمل جميع الأطراف نصيبًا عادلًا من تكاليف التشغيل والاستثمار، أم أن هناك معادلة تستحق مزيدًا من الإيضاح؟

الأمر لا يتوقف عند ذلك.. فهناك أيضًا مسألة تخصيص أحد خطوط الإنتاج المرتبطة بتسهيلات حقل ظهر لخدمة الغاز القبرصي، وهي نقطة تثير سؤالًا آخر لا يقل أهمية:  هل أثر ذلك على مرونة استخدام هذه البنية لخدمة الاكتشافات المصرية الحالية أو المستقبلية؟

وإذا كانت مصر قد اضطرت لاحقًا إلى التفكير في إنشاء وحدة جديدة لفصل المياه بتكلفة ضخمة، فهل كان من الممكن تجنب هذه التكلفة لو ظل الخط في خدمة الإنتاج المصري؟ وهل أجرت الوزارة دراسة مقارنة بين البدائل قبل إقرار الاتفاق؟

هذه ليست أسئلة سياسية، بل أسئلة اقتصادية بحتة ، لأن أي دولار يُنفق على البنية الأساسية، وأي أصل تملكه الدولة، يجب أن يحقق أعلى عائد ممكن للمواطن المصري.

ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت شركة إيني شريكًا رئيسيًا في حقل ظهر، وشريكًا أيضًا في مشروع كرونوس، فكيف ضمنت وزارة البترول التى تمثل الدولة المصرية ألا يؤدي هذا التشابك في المصالح إلى ترتيبات تمنح حقل كرونوس مزايا لوجستية من خلال البنية التحتية المصرية  على حساب أى اكتشافات وطنية؟

وهل تم إجراء  تقييم اقتصادي مستقل يحدد السعر العادل لكل خدمة تقدمها مصر لغاز كرونوس ، بدءًا من الاستقبال والمعالجة، مرورًا بالنقل عبر الشبكات، ووصولًا إلى الإسالة وإعادة التصدير؟

البيانات الرسمية أكدت أن المشروع يُعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة... وهذا هدف استراتيجي لا خلاف عليه.

لكن المركز الإقليمي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحقول التي تستخدم منشآته، وإنما أيضًا بحجم العائد الذي يدخل الخزانة العامة نتيجة هذا الاستخدام.

فالنجاح لا يقاس بعدد الاتفاقيات، وإنما بقيمة ما تحققه من إيرادات، وحجم ما تضيفه للاقتصاد الوطني، ومدى حفاظها على حقوق الدولة في أصولها الاستراتيجية.

ولهذا، فإن الرأي العام من حقه أن يطلع على الدراسة الاقتصادية الكاملة التي استندت إليها الحكومة عند إبرام هذه الاتفاقات.. ومن حق مجلس النواب. والمتخصصين، والإعلام، أن يعرفوا: ما القيمة المالية لاستخدام كل مرفق من المرافق المصرية؟ وما الأسس التي حُددت على أساسها هذه الرسوم؟

وهل تمت مقارنة هذه الشروط بما هو معمول به في مشروعات مماثلة حول العالم؟.  وما العائد الصافي المتوقع للدولة طوال عمر المشروع؟

هذه الأسئلة لا تستهدف التقليل من أهمية التعاون الإقليمي، ولا التشكيك في جدوى استغلال البنية التحتية المصرية.

بل على العكس، فإن أفضل وسيلة لتعزيز ثقة المواطنين في أي اتفاق هي الشفافية الكاملة، وإتاحة المعلومات التي تثبت أن الدولة حصلت على أفضل الشروط الممكنة.

إنتظرونا إن شاء الله فى الحلقة القادمة.