أسامة داود يكتب: هل أصبحت شركات الكهرباء خصمًا وحكمًا ومنفذًا للعقوبة فى آن واحد؟

أسامة داود يكتب: هل أصبحت شركات الكهرباء خصمًا وحكمًا ومنفذًا للعقوبة فى آن واحد؟

لم تعد الشكاوى التي تتلقاها طاقة نيوز من تجاوزات وزارة الكهرباء وشركاتها مجرد قصص فردية متفرقة، بل أصبحت - إذا صحت الوقائع الواردة فيها - ترسم نمطًا متكررًا يثير تساؤلات عميقة حول آليات تعامل بعض شركات توزيع الكهرباء مع المشتركين، خصوصًا أصحاب المصانع والورش والمنشآت الإنتاجية.

ففى الحلقات السابقة من هذه الحملة الصحفية، كشفنا عن شكاوى تتعلق بالعدادات الكودية و بغرامات باهظة، ومحاضر يطعن أصحابها فى سلامتها، وأخرى اثبت جهاز مرفق الكهرباء أنها وهمية  وقرارات بفسخ التعاقد، وإجراءات يرى أصحابها أنها تسبق كلمة القضاء. واليوم تنضم واقعة جديدة إلى هذا الملف، لا لأنها تخص مضرب أرز فى قرية السالمية بمركز فوه، وإنما لأنها تعيد طرح السؤال ذاته: هل يكفى تقرير إدارى حتى تتحول المنشأة المنتجة إلى مصنع مغلق؟

الشكوى التى تلقيناها من المواطن م م خ تتحدث عن قرار صادر من شركة شمال الدلتا لتوزيع الكهرباء برقم 272 لسنة 2026 بفسخ التعاقد الخاص بحسابين كهربائيين يخدمان نشاطًا صناعيًا واحداَ مرخصًا، استنادًا إلى ما وصفته الشركة بمخالفة لشروط التعاقد، مع فرض غرامة بلغت 452 ألفًا و500 جنيه.

لكن القصة - وفقًا لما أورده صاحب الشكوى - لم تتوقف عند الغرامة. فقد لجأ إلى القضاء وطعن على قرار فسخ التعاقد، كما أقام دعوى أخرى ينازع فيها الشركة على قيمة الغرامة التى فوجئ بانها قفزت من الرقم المشار اليه وهو 442 الى مليون ونصف المليون جنيه بعد قرار الكهرباء بعدما أصرت الشركة فجأة على ان المنشأة ذات العنبرين هى منشأتين وبعد مرور ما يزيد عن 10 سنوات من التعامل معها كمنشآة واحدة بخطين كهرباء، وأُحيل النزاع إلى خبير، وأُجريت المعاينة بحضور ممثلي الشركة. وبينما كانت الإجراءات القضائية لا تزال مستمرة، فوجئ - بحسب شكواه - بفصل التيار الكهربائى عن المنشأة حتى يتم سداد الغرامة المليونية وبإسلوب لوى الذراع.

قرار الشركة كما يؤكد المشترك قد أدى إلى توقف الإنتاج، وتعريض تعاقداته التجارية والتصديرية لخطر الإخلال، وتهديد مصدر رزق العاملين. لتنتقل الشركة بقرارها العجيب والمريب من اسلوب لوى الذراع إلى كسره!.

وهنا لا تتوقف القضية عند حدود نزاع بين شركة ومشترك، وإنما تمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بالعلاقة بين السلطة الإدارية والحق فى التقاضى. فإذا كان النزاع مطروحًا بالفعل أمام القضاء، فما الأساس القانونى الذى استندت إليه الشركة فى تنفيذ إجراء يترتب عليه آثار اقتصادية قد يصعب تداركها إذا انتهى القضاء لاحقًا إلى خلاف ذلك؟ وهل يصبح اللجوء إلى المحكمة مجرد خطوة شكلية إذا كانت آثار القرار تُنفذ كاملة قبل صدور الحكم؟

هذه الأسئلة لا تخص هذه الواقعة وحدها، بل تتقاطع مع عشرات الشكاوى التى تلقتها طاقة نيوز  خلال الأشهر الماضية. فالمشهد - بحسب أصحاب تلك الشكاوى - يتكرر: غرامة كبيرة، ثم مطالبة بالسداد، ثم التلويح بفسخ التعاقد أو فصل التيار، بينما يبقى المواطن أو المستثمر أمام خيارين أحلاهما مر، إما الدفع حتى مع اعتراضه، أو مواجهة توقف نشاطه وما يترتب عليه من خسائر.

ولا خلاف على حق شركات الكهرباء فى حماية الشبكة، ومنع التعديات، وتحصيل مستحقات الدولة وفقًا للقانون.. لكن السؤال الذى تفرضه هذه الوقائع هو: أين تقف حدود هذا الحق؟ وهل توجد ضمانات كافية تحول دون أن يتحول الإجراء الإدارى إلى عقوبة نافذة قبل أن يُحسم النزاع أمام القضاء؟

إن المصنع الذى تتوقف ماكيناته لا يخسر صاحبه وحده، بل يخسر العامل الذى ينتظر أجره، والمورد الذى ينتظر مستحقاته، والعميل الذى ينتظر توريد طلباته، والدولة التى تتحدث ليل نهار عن دعم الصناعة وزيادة الصادرات.

 ولذلك فإن كل قرار بوقف نشاط منشأة إنتاجية يجب أن يكون محاطًا بأقصى درجات الضمانات القانونية، لأن كلفته لا يتحملها فرد واحد، بل تمتد إلى الاقتصاد كله.

ولهذا، فإن هذه الحملة لا تستهدف إدانة جهة بعينها، ولا تبرئة أى مشترك، وإنما تدعو إلى الشفافية وإلى إعلان الأساس القانونى لكل إجراء، وتمكين الرأى العام من معرفة كيف تُحتسب الغرامات، ومتى يجوز فسخ التعاقد، ومتى يصبح فصل التيار إجراءً مشروعًا، وما هى الضمانات التى تكفل ألا يُنفذ القرار على نحو يسبق الفصل القضائى فى النزاع.

ويبقى السؤال الذى نوجهه إلى وزارة الكهرباء وشركة شمال الدلتا لتوزيع الكهرباء: هل ستُعرض هذه الواقعة للرأى العام موثقةً برد رسمى يوضح أسباب الإجراءات التى اتُّخذت، أم ستظل الشكاوى تتراكم، بينما يظل القضاء وحده هو الساحة التى ينتظر فيها المواطنون سنوات حتى يحصلوا على إجابة؟

إن هذه القضية ليست نهاية الحملة، بل حلقة جديدة فى ملف أكبر، عنوانه: كيف نوازن بين حق الدولة فى حماية مرافقها، وحق المواطن والمستثمر فى ألا تتحول الإجراءات الإدارية إلى عقوبة تُنفذ قبل أن يقول القضاء كلمته؟ 

بالطبع من الصعب توجيه اللوم إلى موظف الكهرباء

.بل يجب توجيه الاتهام إلى وزير الكهرباء لعدم إلزام الشركات بأحترام القانون وعلى رأسه انتظار أحكام القضاء.