أسامة داود يكشف بالوثائق: حكاية بيع قناة السويس.. من عاطف صدقي إلى مدبولي
هل تعود دفاتر الخصخصة بعد 31 عامًا ؟
ليست ملك حكومة ولا رئيس وزراء بل ملك مصر والأجيال التي لم تولد بعد
أصل مصري استراتيجي لا يجوز النظر إليه باعتباره رقماً في جدول الأصول والخصوم
أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الدولة من إدارة إلى تصفية أصولها
هل يجوز أن يصبح ضغط السيولة معيارًا لتحديد قيمة أصول ترتبط بالأمن القومي؟
إذا واجهنا كل أزمة اقتصادية بالبحث عن أصل جديد للبيع، فماذا بعد أن تنتهي القائمة ؟
هناك فرق بين إعادة هيكلة شركة خاسرة وبين التفريط في أصل يحقق للدولة دخلاً مستدامًا
هل نقرأ اليوم فصلًا جديدًا من الكتاب القديم
قناة السويس ليست مجرد أصل اقتصادي يمكن حساب قيمته بسعر السوق
أحيانًا لا يحتاج التاريخ إلى أن يعيد نفسه؛ يكفي أن يفتح دفاتره القديمة، وينفض عنها الغبار، ثم يضعها أمامنا على الطاولة من جديد.
قبل واحد وثلاثين عامًا، وتحديدًا في نوفمبر 1995، كنت لازلت أعمل محرراً تحت التمرين بجريدة العربي الناصري، وأجريت حوارًا مع الدكتور هشام حسبو، المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء الدكتور عاطف صدقي، ورئيس المكتب الفني لوزير قطاع الأعمال آنذاك.
لم يكن الحوار عابرًا، ولم تكن الأسئلة مجرد محاولة لملء صفحات الجريدة..كنت أبحث وقتها عن إجابة لسؤال أكبر: إلى أين تتجه مصر ببرنامج الخصخصة؟ وما الذي ستصل إليه يد البيع إذا تُركت الخطة تمضي إلى نهايتها؟
وجاءت الإجابات صادمة في ذلك الوقت، ليس لأنها كانت سرًا، وإنما لأن الرجل الذي كان في قلب عملية الإصلاح الاقتصادي كشف بوضوح عن خريطة واسعة لمجالات كانت الدولة تدرس طرحها للبيع أو الخصخصة، من شركات قطاع الأعمال إلى قطاعات ومرافق ذات طبيعة استراتيجية.
واليوم وبعد 31 عامًا، تعود إلى المشهد من جديد قضية قناة السويس، ولكن بصورة أكثر إثارة للقلق، بعدما ارتبط اسم المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء الحالي حسن هيكل، بمقترحات تتعلق بالتعامل مع القناة أو مبادلتها بالديون وفق ما نُشر وتم تداوله إعلاميًا.
وهنا لا أتوقف عند الأشخاص، وإنما أتوقف أمام الفكرة نفسها.. فما الذي حدث في مصر خلال ثلاثة عقود؟
وهل نحن أمام مجرد تشابه تاريخي، أم أن بعض الأفكار التي ظن المصريون أنها أُغلقت منذ زمن تعود اليوم من الباب نفسه، ولكن بمفردات اقتصادية مختلفة؟
خريطة بيع القناة عمرها 31 عاما
في حواري مع الدكتور هشام حسبو عام 1995، سألته صراحة عن نية الحكومة في بيع مرافق عامة ومشروعات عملاقة، فجاءت الإجابة واضحة.
قال إن الحكومة أعدت دراسات حول إمكانية بيع هيئات خدمية عامة وقطاعات اقتصادية ضخمة، وذكر من بينها قطاع البترول، وهيئة قناة السويس، وشركات التأمين، ومصر للطيران، وهيئات الكهرباء، والسكك الحديدية، والمواصلات السلكية واللاسلكية، والبنوك الوطنية الأربعة.
لكن الرجل وضع قيدًا مهمًا للغاية في ذلك الوقت؛ إذ أكد أن بيع البنوك الوطنية لم يكن مطروحًا قبل نهاية القرن، لأن الدولة، بحسب ما قال، كانت تريد الاحتفاظ بأدوات السيطرة على السياسة النقدية.
أي أن الدولة كانت، رغم اندفاعها نحو الخصخصة، تدرك أن هناك أصولًا وقطاعات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد شركات قابلة للبيع ، وهنا تكمن المفارقة.
فبعد 31 عامًا، يبدو أن السؤال القديم عاد، لكن في ظروف اقتصادية أكثر صعوبة، ووسط ضغوط ديون واحتياجات تمويلية هائلة ومعها حكومة لا تملك أى رؤية!.
من بيع الشركات.. إلى بيع أصول تتعلق بالأمن القومى
في الحوار القديم، لم تكن الخصخصة مجرد بيع شركات خاسرة ، الرجل تحدث عن إمكانية بيع أصول وشركات وحصص للدولة في بنوك مشتركة، بل وأكد أنه إذا تقدم مستثمر كبير لشراء أصول أو شركات مصرية أو حصص مصر في بنوك مشتركة فلن تكون هناك ممانعة، مع إعطاء الأولوية للمصريين وفقًا للقواعد القانونية التي كانت سارية آنذاك.
وكانت القائمة طويلة ، الأسمنت، والبيبسي، والكوك، والمواد الغذائية، والشرقية للدخان، والمراجل البخارية، وشركات الإسكان وغيرها، دخلت بالفعل في برامج الخصخصة وتم التفريط فيها بتراب الفلوس.
وكان المنطق المعلن هو توسيع قاعدة الملكية، وإدخال أموال القطاع الخاص إلى الاقتصاد، وتحقيق التنمية ، لكن التجربة علمتنا أن الخصخصة ليست مجرد كلمة اقتصادية محايدة.
فالفرق هائل بين أن تبيع شركة خاسرة بعد إعادة هيكلتها، وبين أن تتعامل مع أصل استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن القومي والسيادة ومصالح الأجيال المقبلة باعتباره ورقة في ميزانية الدولة.
قناة السويس ذاكرة وطن.. لا شركة تباع
وهنا أصل إلى النقطة الأكثر خطورة ، قناة السويس ليست مجرد أصل اقتصادي يمكن حساب قيمته بسعر السوق ثم مقارنته بحجم الديون، بل هى ذاكرة وطن.
هي ممر ملاحي دولي، ومصدر رئيسي للعملة الأجنبية، وأحد أعمدة الاقتصاد المصري، وأصل سيادي ارتبط تاريخيًا بفكرة الاستقلال الوطني والسيادة المصرية.
ومن ثم، فإن مجرد طرح فكرة التعامل معها كأداة لمقابلة الديون يستوجب نقاشًا عامًا واسعًا، ليس فقط من الاقتصاديين، وإنما من رجال القانون والاستراتيجية والسياسة وكل من يعنيه مستقبل الدولة المصرية.
فالديون يمكن إعادة جدولتها.. ويمكن التفاوض بشأن فوائدها.. ويمكن جلب إدارة متخصصة ولكن للأصول غير الاستراتيجية.. ويمكن تغيير السياسات الاقتصادية.
لكن الأصول السيادية والاستراتيجية لا تُستعاد إذا خرجت من يد الدولة.. ولابد أن تظل تدار من جانب الدولة واجهزتها.
وهذه ليست عاطفة وطنية في مواجهة الاقتصاد، وإنما هي جوهر الاقتصاد نفسه عندما يتعلق الأمر بالأصول التي تدر دخلاً مستدامًا وتمنح الدولة قوة تفاوضية وسيادية.
الفارق بين هشام حسبو وحسن هيكل
وهنا أعود إلى عنوان الحكاية.. من الدكتور هشام حسبو، المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء الدكتور عاطف صدقي عام 1995، إلى حسن هيكل، المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي اليوم.
الفارق بين الرجلين، بطبيعة الحال، ليس مجرد 31 عامًا.. الأول كان أحد رجال الدولة الذين عاصروا برنامج الإصلاح الاقتصادي من داخله، وكان يتحدث في حوار صحفي عن سياسات حكومية ودراسات كانت تُجرى بالفعل.
أما اليوم، فإن ما يُطرح حول قناة السويس يأتي في سياق اقتصادي مختلف تمامًا، وفي ظل أزمة ديون وضغوط تمويلية وتحديات تتعلق بالعملة الأجنبية.. لكن المفارقة أن الملف نفسه يعود إلى الواجهة.
والأخطر أن ما كان يُقال في عام 1995 عن بيع قطاعات استراتيجية كان يبدو وقتها بعيدًا عن التنفيذ الكامل، بينما تكشف السنوات التالية أن جانبًا معتبرًا من خريطة الخصخصة قد دخل بالفعل حيز التنفيذ وتم الانتهاء منه وتحدد مصر حاليا مرارة فقدانه اقتصاديا وإجتماعياً.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا : هل نقرأ اليوم فصلًا جديدًا من الكتاب القديم؟
31 عاماً من الخصخصة ولم نتعلم!
أنا لا أكتب هذه السطور دفاعًا عن بقاء كل شركة حكومية مهما كانت خسائرها.
الدولة ليست شركة، والحكومة ليست مديرًا لمصنع، ومن حق الدولة أن تعيد هيكلة مؤسساتها، وأن تتخلص من أوجه الهدر، وأن تفتح المجال للاستثمار الخاص.
لان هناك فرقًا بين إصلاح الاقتصاد وبيع الاقتصاد.. وبين إعادة هيكلة شركة خاسرة وبين التفريط في أصل يحقق للدولة دخلاً مستدامًا.
وبين جذب الاستثمار وبين تحويل الأصول العامة إلى وسيلة لسداد الالتزامات قصيرة الأجل.. والمشكلة أن اللجوء المتكرر إلى بيع الأصول لمواجهة أزمة سيولة قد يحل مشكلة اليوم، لكنه قد يصنع أزمة أكبر غدًا.
فإذا كانت الدولة تبيع أصلًا منتجًا لكي تسدد دينًا مستحقًا، فإنها تخسر الأصل وتبقى مطالبة بإدارة الاقتصاد بعد ذلك من دون هذا الأصل.
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق أي عملية بيع : ماذا سنملك بعد البيع؟ وليس فقط: كم سندخل من حصيلة البيع؟
حكومة مدبولى إفلاس فى الرؤية وعجز فى الاداء
ما يقلقني اليوم ليس فقط ما يقال عن قناة السويس، وإنما أن تلجأ الحكومة إلى الأدوات ذاتها التي جرى استخدامها منذ عقود، وكأن الاقتصاد المصري لم يتغير، وكأن تجربة 31 عامًا لم تقدم لنا درسًا واحدًا.
إذا كانت كل أزمة اقتصادية ستُواجه بالبحث عن أصل جديد للبيع، فماذا بعد أن تنتهي قائمة الأصول؟
وإذا أصبحت الديون هي التي تحدد ما نبيع، فمَن الذي يحدد ما يجب أن يبقى.
وهل يجوز أن يصبح ضغط السيولة معيارًا لتحديد قيمة أصول ترتبط بالأمن القومي؟
إن الاقتصاد القوي لا يُقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل الخزانة اليوم، وإنما بقدرته على حماية مصادر الدخل للأجيال القادمة.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الحكومات من إدارة إقتصاد الدولة إلى تصفية أصولها الدولة ، ومن البحث عن موارد جديدة إلى بيع الموارد القائمة.
بين الأمس واليوم.. تتطلع الذئاب إلى قناة السويس
في عام 1995 كنت أسأل عن خريطة الخصخصة ، وكانت قناة السويس واحدة من الأسماء التي ظهرت في الإجابات.
واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، يعود اسم القناة إلى النقاش الاقتصادي من جديد.
لكن الزمن تغير.. والاقتصاد تغير.. وحجم الديون تغير.. وتحديات الدولة تغيرت.. أما قناة السويس فما زالت هي قناة السويس.. أصل مصري استراتيجي لا يجوز أن يُنظر إليه باعتباره مجرد رقم في جدول الأصول والخصوم..لقد عرفت مصر في تاريخها لحظات صعبة، وواجهت أزمات اقتصادية وحروبًا وضغوطًا خارجية، لكنها احتفظت بأصولها السيادية التي صنعت جزءًا أساسيًا من قوتها.
ولذلك فإن السؤال اليوم ليس: هل تحتاج مصر إلى أموال؟ بالطبع تحتاج ، وليس: هل تحتاج مصر إلى إصلاح اقتصادي؟ بلا شك تحتاج.
وإنما السؤال الأهم: هل يكون علاج الأزمة الاقتصادية ببيع أدوات الخروج منها؟
الوثيقة القديمة تقول الكثير وأنا أستعيد اليوم هذا الحوار الذي أجريته قبل 31 عامًا وأنا لازلت شابا فى مقتبل العمر محررا تحت التمرين فى إحدى اكبر صحف المعارضة وأكثرها شراسة، لا أقدمه باعتباره نبوءة، وإنما باعتباره وثيقة صحفية تكشف كيف كان عقل الدولة يفكر في تلك اللحظة التاريخية.
واللافت أن كثيرًا مما ورد في الحوار تحقق بالفعل، بصورة كاملة أو جزئية، في مسار الخصخصة وإعادة هيكلة وبيع حصص الدولة في شركات وبنوك.
أما أن تعود اليوم أفكار التعامل مع قناة السويس إلى الواجهة، فهذا يستحق أكثر من تصريح عابر أو طرح اقتصادي سريع.. يستحق حوارًا وطنيًا حقيقيًا.. لأن قناة السويس ليست ملك حكومة بعينها، ولا رئيس وزراء بعينه، ولانظام سياسى.. إنها ملك مصر.. وملك الأجيال التي لم تولد بعد.
ومن هنا، فإنني أطرح على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي سؤالًا بسيطًا، لكنه أخطر من كل جداول الديون: إذا كانت الحكومة قد عجزت عن معالجة أزمتها الاقتصادية إلا بالعودة إلى دفاتر عمرها 31 عامًا، فهل نحن أمام أزمة أصول... أم أمام أزمة رؤية وعجز فى الأفكار؟
فالاقتصاد الذي لا يجد طريقًا للخروج من أزمته إلا ببيع ما يملك، سرعان ما يكتشف أن المشكلة لم تكن في قلة الأصول، وإنما في غياب الرؤية.
وقناة السويس تحديدًا ليست بندًا للبيع في ميزانية دولة... وإنما بند في تاريخ وطن.