أسامة داود يكتب: محمد فؤاد.. نائب الأرقام والوثائق
أما حضور الدكتور محمد فؤاد، فكان له سبب واضح. فقد كان قد تقدم بطلب إحاطة حول ما نشرته في حملتي
الصحفية من وقائع مدعومة بالوثائق والأرقام، في الوقت الذي كانت فيه لجنة الصحة
بمجلس النواب تعقد جلسة لمناقشة ما نشرته الصحافة من معلومات ومستندات.
ولم
يتوقف الأمر عند البرلمان، إذ عقدت وزارتا التضامن والصحة مؤتمرين صحفيين للرد على
عدد من التساؤلات التي أثارتها الحملة.
كانت تلك
الحملة واحدة من أهم القضايا التي تناولتها عشرات الصحف، وكتب عنها مئات الأقلام
داخل مصر وخارجها، لأنها لم تقم على الشائعات أو الانطباعات، وإنما على الوثيقة
والرقم والمعلومة. وكانت موضوعيتها ودقة ما نشر فيها سببًا في حصولها على الجائزة
الأولى في جوائز الصحافة المصرية.
ومنذ ذلك
اللقاء لم تجمعني بالنائب محمد فؤاد جلسة أخرى، لكنني ظللت أتابع أداءه البرلماني،
خصوصًا عندما بدأ يكشف بالأرقام والوثائق كثيرًا من مواطن الخلل في ملفات اقتصادية
وخدمية مختلفة.
وقد
أسعدني، ككاتب صحفي متخصص في الاقتصاد والطاقة، أن أرى نائبًا يتعامل مع لغة
الأرقام باعتبارها أداة للرقابة، لا مجرد بيانات تُلقى في الهواء.
فالرقم
لا يجامل، والوثيقة لا تصفق لأحد.
وهذه
تحديدًا هي قيمة النائب الذي يعرف كيف يحول الأرقام إلى أسئلة، والأسئلة إلى
مساءلة، والمساءلة إلى رقابة حقيقية على أداء الحكومة.
ولعل ما
أثار اهتمامي بصورة خاصة أن الرجل تناول إحدى مقالاتي المتعلقة بحقل كرونوس، وتقدم
بسؤال إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري البترول والمالية، طالبًا بالرد على التساؤلات
التي أثرتها حول حقوق مصر المرتبطة بنقل الغاز القبرصي، والاستفادة من التسهيلات
والبنية التحتية المصرية، بما في ذلك خطوط النقل ووحدات المعالجة، فضلًا عن
التساؤلات المتعلقة بتأثير ذلك على حقل ظهر وأي اكتشافات مستقبلية في المنطقة.
هنا
تحديدًا تتأكد قيمة البرلمان عندما يتقاطع العمل الصحفي مع العمل النيابي.
فالصحفي
يفتح الملف، يبحث عن الوثيقة، يضع الرقم أمام القارئ، ويطرح الأسئلة.
والنائب
الجاد يلتقط هذه الأسئلة، ويضعها أمام الحكومة، ويطالبها بإجابة واضحة تحت مظلة
الرقابة البرلمانية.
وهذه هي
الديمقراطية عندما تعمل كما ينبغي.
لكنني
اليوم لا أكتب عن محمد فؤاد بسبب سؤال برلماني أو ملف اقتصادي، وإنما بسبب ما
يتعرض له من حملات ممنهجة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة ــ كما يبدو من
طبيعة الاستهداف ــ للتأثير على أدائه وإثنائه عن ممارسة دوره الرقابي.
وهنا
تصبح القضية أكبر من شخص النائب نفسه.
فحين يتحول الاختلاف مع نائب إلى حملات تشويه واستهداف على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن الخطر لا يتوقف عند حدود الإساءة إلى شخصه، وإنما يمتد إلى إرهاب كل نائب يفكر في فتح ملف شائك، أو توجيه سؤال صعب، أو كشف أوجه قصور في أداء أي قطاع من قطاعات الدولة.. وهذا أمر يجب ألا يمر مرور الكرام.
لقد أصبح
استهداف الشخصيات العامة عبر السوشيال ميديا ظاهرة تحتاج إلى وقفة جادة، خصوصًا
عندما تطال أصحاب الأدوار المؤثرة في البرلمان أو الصحافة أو الحياة العامة.
ولست هنا
بصدد منح أي نائب حصانة من النقد.. فالنقد حق أصيل، بل وضرورة في أي مجتمع
ديمقراطي.
لكن هناك
فارقًا كبيرًا بين النقد السياسي المشروع وبين حملات التشويه المتعمد، أو استهداف
الأشخاص لإسكات أصواتهم، أو تحويل أدوات التواصل الاجتماعي إلى وسيلة ضغط لمنع
نائب من ممارسة اختصاصاته الدستورية.
والبرلمان
في النهاية ليس مكانًا للتصفيق للحكومة.
البرلمان
الحقيقي هو المكان الذي تُطرح فيه الأسئلة الصعبة، وتُفتح فيه الملفات الشائكة،
وتُناقش فيه أوجه القصور، وتُحاسب فيه الحكومة عندما تخطئ.
والحكومة
ليست فوق المساءلة.
فالحكومة - ببساطة - أجير لدى الشعب، وليست مالكًا للشعب، تحصل على ثقة البرلمان وتدير المال العام والمرافق العامة نيابة عن المواطنين، ومن ثم تخضع للرقابة والمحاسبة.
وهذه
الرقابة لا تأتي من البرلمان وحده، وإنما تتكامل معها رقابة الصحافة والإعلام
والرأي العام.
لذلك فإن
حماية النائب الجاد من حملات الترهيب والتشويه لا تعني حماية شخص بعينه، وإنما
تعني حماية وظيفة البرلمان ذاتها.
فإذا
أصبح النائب يفكر ألف مرة قبل أن يفتح ملفًا أو يسأل عن رقم أو يطالب بوثيقة، خوفًا من حملة إلكترونية تستهدفه، فإن الخاسر في النهاية ليس النائب وحده، وإنما
المواطن الذي انتخب هذا النائب لكي يسأل ويراقب ويحاسب.
ومن هنا أقولها بوضوح: نريد برلمانًا يسأل، لا برلمانًا يصفق، ونوابًا يراقبون، لا نوابًا يجاملون، وحكومة تجيب، لا حكومة تتحصن بالصمت.
أما محمد
فؤاد، فليست القضية في أن نتفق معه في كل ما يقول أو نختلف معه في بعض مواقفه.
القضية
أن يظل قادرًا - مثل أي نائب جاد - على استخدام أدواته الدستورية، وأن يظل الرقم
رقمًا، والوثيقة وثيقة، والسؤال سؤالًا، والرقابة رقابة.
فالديمقراطية
لا تُقاس بعدد الأصوات التي تصفق للحكومة، وإنما بعدد الأسئلة التي تُجبرها على
تقديم إجابات.
وفي
النهاية.. النائب الذي لا يخشى على مقعده من السؤال، يستطيع حماية حق المواطن في
الإجابة.