لا تقتلوا النوافذ الصغيرة في زمن انكماش الصحافة لأنها المكان الوحيد الذي ما زال يدخل منه بعض الضوء

بحكم عملي صحفيًا، وبحكم عضويتي السابقة في مجلس نقابة الصحفيين لأكثر من دورة انتخابية، وبما عايشته عن قرب من أزمات المهنة وملفات الفصل والتسويات والأجور، أرى أن النقاش الدائر حول المواقع الإخبارية الإلكترونية المرخصة يحتاج إلى قدر أكبر من الواقعية، وأقل من الأحكام الجاهزة.
لدينا نحو 68 موقعًا إخباريًا حاصلًا على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهذه المواقع ليست كلها مؤسسات صحفية عملاقة، ولا ينبغي أن تكون كذلك حتى نعتبرها جديرة بالحياة.
فأكثر من 60% منها، وفق البيانات المتاحة، محدودة العدد من حيث العاملين، وبعضها يقوم على عدد قليل من الصحفيين، أو على العمل بالقطعة والعمل الإضافي، ويمنح بعض أعضاء النقابة فرصة لزيادة دخلهم بجانب عملهم الأساسي، بينما توفر مواقع أخرى فرصًا محدودة لشباب في بداية الطريق، بأجور رمزية أحيانًا.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا أمام الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها: هذه المواقع لم تظهر من فراغ.
لقد نشأت في جانب كبير منها في ظل تراجع قدرة المؤسسات الصحفية التقليدية على استيعاب الصحفيين، وانكماش اقتصاديات الصحافة، وتقليص أعداد العاملين، حتى أصبحت بعض الصحف أقرب إلى نشرات تعتمد بدرجة كبيرة على بيانات الوزارات والهيئات وعلى راسها الصحف القومية، بينما تراجعت مساحة العمل الصحفي الحقيقي مقارنة بما عرفته المهنة في سنوات سابقة.
وفي هذا المناخ، لجأ بعض الصحفيين إلى إنشاء مواقع إلكترونية باعتبارها نافذة للعمل والنشر، ومنهم صحفيون خرجوا من صحف أغلقت أبوابها، أو تم الاستغناء عنهم، أو تعرضوا للفصل، أو لم يجدوا أصلًا فرصة عمل مستقرة.
قد يكون الموقع في بعض الحالات مجرد مكتب صغير، أو هاتف، أو جهاز كمبيوتر، بل وربما يدار من منزل صاحبه.
فهل هذا وحده سبب كافٍ لإعدامه مهنيًا؟
أنا لا أعتقد ذلك.
فالصحافة لا تقاس بعدد المكاتب والكراسي، وإنما بما تقدمه للناس من محتوى، وبمدى احترامها للقانون وأخلاقيات المهنة.
وبالطبع لا يعني هذا منح المواقع الصغيرة حصانة من المحاسبة. على العكس، فإن الموقع الذي يمارس الابتزاز أو التشهير أو الابتذال أو اختلاق الأخبار أو مطاردة الترند بلا تحقق، يجب أن يخضع للمساءلة، أيا كان حجمه.

لكن علينا أن نفرق بين المهنية والحجم.
فهل المطلوب أن نشترط على كل موقع مائة صحفي، كما أقترح بعض الزملاء؟.. وأن يلتزم فورًا بتكاليف وأعباء مؤسسة ضخمة، وكأن كل موقع جديد صحيفة قومية؟
ومن أين يأتي صاحب الموقع الصغير بعشرات الملايين من الجنيهات لكي يحقق شروطًا وضعت له وكأنه مشروع استثماري عملاق؟

وهل نجحت المؤسسات الصحفية الكبيرة كلها في تطبيق الحد الأدنى للأجور بالصورة التي نتمناها؟ وهل انتهت مشكلات الفصل والتسويات وحقوق العاملين حتى نبدأ في فرض شروط مثالية على مواقع ناشئة؟
لقد كشفت لنا تجربتنا داخل مجلس النقابة أن ملف الأجور والفصل والتسويات مليء بالألغام، وأن المشكلة ليست في إصدار القرارات فقط، وإنما في القدرة على تطبيقها وحماية الصحفيين على أرض الواقع وليس عبر التصريحات والبيانات.
لذلك أرى أن المطلوب من النقابة ليس إعدام المواقع الصغيرة بالشروط، وإنما تنظيم العلاقة معها.
النقابة يجب أن تتعامل مع الموقع المرخص معاملة الأب، لا معاملة زوجة الأب.
تحمي حقه في الوجود والعمل، وفي الوقت نفسه تفرض عليه التزامات مهنية واضحة: احترام القانون وميثاق الشرف الصحفي، التحقق من المعلومات، إتاحة حق الرد والتصحيح، احترام الخصوصية، عدم التشهير والابتزاز، عدم تحويل الموقع إلى أداة لتصفية الحسابات، والفصل بين الإعلان والمادة الصحفية.
وفي المقابل، يجب أن تضع النقابة آليات واضحة لحماية الصحفيين العاملين بهذه المواقع، ومواجهة أي انتهاك لحقوقهم، وتوفير التدريب والتأهيل، وفتح قنوات لحل النزاعات المهنية.
أما أن تتحول النقابة إلى جهة تفرض على صاحب الموقع أسماء بعينها لتعيينها، فهذا أمر آخر؛ فدور النقابة حماية الصحفي ووضع القواعد المهنية، وليس فرض الشروط المجحفة أو اختيار العاملين فيها وتحديد اعدادهم.
والأهم أن نواجه ظاهرة أخطر من صغر المواقع، وهي انسياق بعض المنصات وراء السوشيال ميديا ومطاردة الترند بأي ثمن.
فالصحفي ليس مجرد شخص يحمل هاتفًا ويعيد نشر ما يتداوله الناس.
الصحافة مسؤولية.
وهنا يجب أن تكون النقابة في مقدمة المدافعين عن قيمة الصحافة المهنية في مواجهة فوضى السوشيال ميديا، وأن تواجه الابتزاز والابتذال، لا أن تواجه المواقع ذاتها.
إن المشروع الصحفي الصغير ليس عيبًا.. وكما تقوم اقتصادات الدول على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، يمكن للصحافة أيضًا أن تجد في المبادرات الصغيرة نوافذ للنمو، وفرصًا لصحفيين يقتلهم العوز، أو يبحثون عن فرصة ثانية بعد أن ضاقت بهم المؤسسات التقليدية.
قد يبدأ الموقع بصحفيين اثنين، ثم أربعة، ثم عشرة، وقد يبقى صغيرًا لكنه يؤدي دوره ويحافظ على المهنية.
وهذا أفضل من إغلاقه وتشريد من يعملون فيه.
نحن لا نحتاج إلى صحافة بلا ضوابط، كما لا نحتاج إلى ضوابط تقتل الصحافة.
نحتاج إلى قواعد تحمي المهنة دون أن تخنقها، وتحمي الصحفي دون أن تغلق نافذته، وتحاسب المخطئ دون أن تعاقب الجميع.
ولذلك فإن بقاء المواقع المرخصة التي تلتزم مهنيًا وأخلاقيًا، حتى لو كانت تدار بعدد محدود من الصحفيين، ليس تنازلًا عن المهنية، وإنما اعتراف بواقع جديد في صناعة الصحافة.
لا تقتلوا النوافذ الصغيرة لأنكم تريدون لها أن تكون مؤسسات عملاقة.. فقد تكون النافذة الصغيرة، في زمن انكماش الصحافة، هي المكان الوحيد الذي ما زال يدخل منه بعض الضوء.

استقيموا يرحمكم الله.