قرار رقابي وتقرير نقض وأموال دخلت الحساب ثم خرجت منه.. فمن اتخذ قرار الإعادة؟


لم تعد القضية مجرد حريق التهم مصنعًا ولا مجرد خلاف تقليدي بين عميل وشركة تأمين 


القصة، وفقًا للوقائع والمستندات محل الفحص، تبدو أكثر تعقيدًا: فالتعويض التأميني ارتبط بوثيقة، ونزاع انتهى إلى جهة رقابية، وهى هيئة الرقابة المالية ، ليترتب عليها تحويل أموال وصلت إلى حساب العميل لدى البنك قبل أن تعود مرة أخرى إلى شركة التأمين.


وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها: من اتخذ قرار إعادة الأموال؟ وعلى أي أساس؟ وهل كان للعميل علم أو موافقة على سحب مبلغ من حسابه وإعادته إلى شركة التأمين؟ وإذا كانت الأموال قد أودعت بالفعل في حسابه، فما السند الذي سمح بإخراجها منه؟


أسئلة لا اتهامات.. لكنها أسئلة مشروعة، لأن الأمر يتعلق بأموال عميل، وبعلاقة مصرفية يفترض أن تقوم قبل أي شيء على الثقة والانضباط وسلامة الإجراءات.

تبدأ القصة بإنشاء أحد المواطنين مصنع حصل صاحبه على تمويل من بنك التعمير والإسكان، وكانت هناك وثيقة تأمين ضد مخاطر الحريق مرتبطة بالتمويل.

وجود البنك طرف ذا مصلحة في الوثيقة لم يكن أمرًا شكليًا، فالوثيقة مرتبطة بحماية حقوق البنك والالتزامات الناشئة عن القرض، وفي المقابل يفترض أن يحصل العميل على الحماية التأمينية التي دفع مقابلها أو ارتبط بها التمويل.. ثم وقع الحريق ليحترق المصنع، وتحولت الوثيقة التي كان يفترض أن تكون مظلة حماية في لحظة الخطر إلى بداية لنزاع طويل.

تقدم العميل بالمطالبة التأمينية للحصول على التعويض عن الأضرار، لكن شركة التأمين لم تصرف التعويض وفقًا لما تضمنته تفاصيل الواقعة.

وهنا انتقل النزاع بين العميل صاحب الوثيقة وشركة التأمين إلى الجهة الرقابية المنوط بها الفصل في مثل تلك الأمور التي تخص شركات التأمين وهى الرقابة المالية التي دخلت على الخط.

فقد لجأ المواطن إلى الهيئة العامة للرقابة المالية، مطالبًا بحسم موقفه من الوثيقة وأحقيته في الاستفادة منها.

وبحسب المستندات والرواية المقدمة بشأن الواقعة، صدر قرار رقابي يؤكد أحقية العميل في الاستفادة من وثيقة التأمين.

وهنا كان يفترض أن تنتهي الأزمة أو على الأقل أن تدخل مرحلة التسوية والتنفيذ.. لكن المفاجأة أن القصة لم تنتهِ.. بل ربما بدأت مع فصل جديد ليكشف عن أزمة حقيقية. وهى أن قيمة الوثيقة وهى الـ14 مليون  جنيه دخلت بناء على قرار هيئة الرقابة حساب العميل بالبنك لتغطية قيمة القرض.. لكن فجأة ودون أخذ رأى العميل خرجت منه ثانية لتعود الى حساب شركة التأمين!.

فكيف خرجت تلك الأموال من حساب العميل لتعود مرة أخرى إلى شركة التأمين؟

ومن الذي أصدر تعليمات إعادة الأموال؟.. وهل صدرت هذه التعليمات بناءً على طلب مكتوب وموقع من العميل؟

وهل وافق العميل صراحة على إعادة المبلغ؟.. وهل كان هناك سند مصرفي أو قانوني يجبر البنك على سحب أموال من حساب عميل وإعادتها إلى طرف ثالث؟

وإذا كانت الإجابة نعم، فأين المستند الذي يثبت ذلك؟

أما إذا لم تكن هناك موافقة من العميل، فهنا يصبح السؤال أكثر دقة:

هل جرى التعامل مع أموال العميل باعتبارها قابلة لإعادة التوجيه بمجرد وجود نزاع حول مصدرها، رغم دخولها بالفعل إلى حسابه؟

هل يمكن للبنك أن يتراجع عن عملية مالية تمت بالفعل؟

المسألة هنا لا تتعلق فقط بمبلغ ضخم، وإنما بطبيعة العلاقة المصرفية ذاتها.

فالعميل عندما يرى مبلغًا يدخل حسابه من خلال عملية مصرفية، يفترض أن العملية تمت وفق الإجراءات والضوابط المعمول بها، وأن البنك يتحمل مسؤولية دقة التنفيذ وسلامة القيد.

ومن هنا نطرح سؤالًا مصرفيًا هامًا: إذا كان البنك قد نفذ عملية إيداع لصالح العميل، فما الذي يسمح له بالتراجع عنها لاحقًا؟

وإذا كان ما حدث نتيجة خطأ مصرفي، فمن يتحمل مسؤولية هذا الخطأ؟

هل يتحمل العميل تبعات خطأ لم يكن طرفًا فيه؟.. وهل يجوز أن يتحول الخطأ الإداري أو المصرفي إلى عبء مالي يقع على صاحب الحساب؟

والأهم.. هل تمت إعادة الأموال إلى شركة التأمين بعد إيداعها في حساب العميل دون موافقته؟