عمالة المقاول.. سنوات من الانتظار وأجور محدودة.. من يحمي حقوقهم ومستقبل أسرهم؟


بينما يبحث قطاع البترول عن زيادة الإنتاج وجذب  الاستثمارات، تظل أسئلة العمالة المؤقتة والأجور  وغيرها من القضايا عالقة  .. فهل حان وقت إعادة الاعتبار للعنصر البشري  الذي تقوم عليه الصناعة؟

ماذا يشعر وزير البترول والثروة المعدنية وهو يعلم أن هناك آلاف العاملين داخل قطاع البترول يواجهون، وفقًا لما تطرحه شكاوى العاملين والملفات المطلوب فحصها، سنوات طويلة من الانتظار دون تثبيت؟ وماذا يقول لأسر تنتظر من عائلها دخلًا يكفي احتياجاتها الأساسية، بينما يظل مستقبل صاحب هذا الدخل معلقًا بعقد مؤقت عبر سلسلة من المقاولين هم الوسطاء بين الشركة مقر العمل وبين العامل وكل حلقة من تلك السلسلة تمتص جزء من عرق هؤلاء فى علاقة عمل لا توفر لهم ادنى مستويات الأمان الوظيفي الذي يحتاج إليه أى إنسان وليس ما يحلم به؟

هل يُعقل أن يقترب العامل من إتمام عشر سنوات داخل قطاع البترول دون أن يعرف متى تنتهي رحلة الانتظار، ومتى يصبح له وضع وظيفي مستقر يحفظ كرامته ويؤمّن مستقبل أسرته؟

هذه ليست أسئلة عابرة، ولا محاولة لافتعال معركة مع وزارة البترول، وإنما هي بداية ملف يستحق أن يُفتح على مصراعيه؛ لأن الحديث عن مستقبل قطاع البترول لا ينبغي أن يقتصر على معدلات الإنتاج، وأرقام الاستثمارات، واكتشافات الزيت والغاز، بينما يظل مستقبل الإنسان الذي يشغّل المعدات، ويحافظ على المنشآت، ويؤدي الأعمال الفنية الشاقة، قضية مؤجلة.

تتردد تقديرات بشأن وجود أكثر من.خمسون ألف عامل يواجهون أوضاعًا وظيفية غير مستقرة في القطاع، وهو رقم يحتاج إلى إعلان رسمي وتفصيل دقيق بحسب الشركات ونظم التعاقد. لكن السؤال الذي لا يحتمل التأجيل هو: كم عاملًا يعمل اليوم داخل شركات القطاع دون دون علاقة مباشرة مع تلك الشركات؟ وكم منهم أمضى خمس سنوات أو أكثر؟ وكم اقترب من عشر سنوات دون تسوية أوضاعه؟

إن الإجابة بالأرقام والبيانات ليست ترفًا صحفيًا، بل هي الخطوة الأولى نحو معالجة مشكلة لا يجوز أن تظل رهينة التقديرات والشكاوى المتفرقة.

خمس سنوات.. لماذا لا تصبح نقطة فاصلة؟

تطرح هذه القضية سؤالًا جوهريًا أمام الوزير: ما موقف الوزارة من مطالب النقابة العامة للعاملين بالبترول منذ سنوات وعلى لسان رئيسها الأسبق محمد جبران وهو ما أكده لى أكثر من مرة في محور حديثه عندما تولى رئاسة الاتحاد العام ومن بعده وزارة القوى العاملة بشأن عدم استمرار العمالة في أوضاع مؤقتة لأكثر من خمس سنوات، والعمل على تثبيت من تنطبق عليهم الضوابط؟

وقال لى بالحرف الواحد ان ذلك كان بإتفاق مع وزير البترول السابق طارق الملا

وهنا ينبغي أن نعرف على وجه الدقة: هل صدر اتفاق رسمي أو قرار ملزم بهذا المضمون؟ وما نطاق تطبيقه؟ وهل جرى تنفيذه بالفعل في شركات القطاع، أم بقي مطلبًا ينتظر آلية واضحة للتنفيذ؟

إذا كانت هناك قواعد أو تفاهمات تقضي بتسوية أوضاع العمالة بعد مدة محددة، فمن حق العامل أن يعرف لماذا لم يستفد منها، ومن حق الرأي العام أن يطّلع على ما تحقق منها، وأسباب التأخير في الحالات التي لم تشملها التسوية.

أما إذا لم تكن هناك قاعدة ملزمة، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: لماذا لا تضع الوزارة، بالتنسيق مع الشركات والجهات المعنية، إطارًا زمنيًا واضحًا لمراجعة أوضاع العمالة التي استقرت سنوات طويلة في مواقع العمل، مع مراعاة احتياجات الشركات والقواعد القانونية والمالية المنظمة للتعيين؟

لا أحد يطالب بتجاوز القانون أو فرض تعيينات عشوائية لا تتناسب مع احتياجات العمل. لكن من غير المقبول أيضًا أن تتحول العمالة المؤقتة إلى وضع دائم، وأن تصبح سنوات الخدمة الطويلة مجرد أرقام لا تمنح صاحبها أي أفق واضح للاستقرار.

لماذا يُفتح باب التعيين للبعض ويظل مغلقًا أمام آخرين؟

ما القواعد التي استندت إليها قرارات التعيين؟ وهل تتساوى الفرص بين العاملين وفقًا لاحتياجات الوظائف والمؤهلات والخبرة ومدة الخدمة؟ وما أسباب اختلاف المعاملة، إن ثبت وجود اختلاف، بين وظائف إدارية وأخرى فنية فى بعض الشركات تمثل احتياجًا مباشرًا للتشغيل؟

ولماذا لا تُعلن الشركة معايير واضحة تتيح للعاملين فهم القرارات المتعلقة بمستقبلهم الوظيفي؟

إن الفني الذي يقضي ساعات طويلة في موقع العمل، ويتحمل مسؤوليات تتصل بالتشغيل والسلامة واستمرارية الإنتاج، ليس أقل استحقاقًا للاستقرار من أي زميل يؤدي عملًا إداريًا. والعدالة هنا لا تعني أن تكون القرارات متطابقة في كل الأحوال، وإنما أن تستند إلى معايير موضوعية معلنة يمكن تفسيرها ومراجعتها.

إننا نطالب بمعيار مُعلن يقطع الطريق على الشكوك، ويحفظ الثقة داخل بيئة العمل.

أجر لا يكفي.. ومكافآت لا تصنع مستقبلًا

الأخطر من عدم الاستقرار الوظيفي أن يقترن في بعض الحالات بأجر محدود لا يتناسب مع أعباء الحياة، ولا يوفر للعامل وأسرته الحد المعقول من الطمأنينة.

وتتردد شكاوى عن لجوء بعض الشركات إلى منح مبالغ إضافية أو مكافآت للعاملين ذوي الأجور المحدودة، في محاولة لتخفيف الفجوة بينهم وبين العاملين المعينين مباشرة، أو لضمان استمرارهم في أداء مهامهم.

وإذا صحت هذه الصورة، فإنها تستدعي مراجعة شاملة: هل أصبحت المكافأة الاستثنائية بديلًا عن معالجة أصل المشكلة؟ وهل تتوافر قواعد واضحة لصرف هذه المبالغ، أم تختلف باختلاف الشركة وطبيعة العلاقة التعاقدية؟

المكافأة قد تساعد العامل مؤقتًا، لكنها لا تمنحه وحدها استقرارًا وظيفيًا، ولا تضمن له مظلة تأمينية مناسبة، ولا تضع حدًا للقلق بشأن تجديد العقد أو انتهاء العمل.

ولا ينبغي أن يشعر العامل بأنه يتلقى إحسانًا حين يحصل على مقابل إضافي لقاء عمل يؤديه بالفعل. فالأجر المستحق ليس منحة، والحقوق التي يقررها القانون ليست بابًا للصدقة.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد تحسينات متفرقة، بل مراجعة العلاقة بين شركات القطاع ومقاولي توريد العمالة، وبيان ما إذا كانت هناك حلقات وسيطة تقتطع نسبًا من أجور العاملين، وما القيمة الفعلية التي تضيفها تلك الحلقات إلى عملية التشغيل.

كم تدفع الشركة مقابل العامل؟ وكم يصل إليه بالفعل؟ وما الالتزامات التي يتحملها المقاول؟  وهل يمكن تطوير نماذج تعاقدية أكثر شفافية تضمن حقوق العمال وتحافظ في الوقت نفسه على كفاءة التشغيل؟

هذه أسئلة تستحق إجابات موثقة، لا تبريرات مؤسفة.

وللحديث بقية.