بعض الرجال تنتهي علاقتهم بالمناصب، لكن علاقتهم بالعطاء مستمرة.
ليست كل القيادات التي تترك مواقعها ترحل من الذاكرة، فهناك رجال يتركون وراءهم بصمة لا تمحوها سنوات الغياب، لأنهم أدركوا أن القيادة ليست منصبًا يُمارَس، بقدر ما هي مسؤولية تُحمَل، وعطاء يُترجَم إلى إنجاز، وقدرة على إدارة العمل دون أن تتحول السلطة إلى صدام، أو تتحول معالجة الأخطاء إلى جراح في نفوس الآخرين.
من هؤلاء المهندس محمد ماجد، الذي غادر موقعه الوظيفي ببلوغ السن القانونية، بعد رحلة طويلة من العطاء في عدد من المواقع القيادية بقطاع البترول، كان آخرها رئاسة شركة مصر للبترول، مرورًا برئاسة شركة أنابيب البترول، ثم نيابة الهيئة العامة للبترول للنقل والتوزيع.
عرفت محمد ماجد على مدى سنوات، فوجدت فيه نموذجًا للقيادة الهادئة التي تجمع بين الحسم والرفق، وبين الاحترافية والبساطة، وبين القدرة على إدارة الملفات الصعبة والحرص على ألا يتحول الاختلاف في الرأي إلى خصومة، أو تصحيح الخطأ إلى وسيلة للتجريح.
كان أشبه بقائد يعرف جيدًا كيف تُدار دواليب العمل؛ لا يحتاج إلى ضجيج ليثبت حضوره، ولا إلى افتعال المعارك ليؤكد سلطته. يمتلك من الخبرة ما يعينه على قراءة المشكلات، ومن الحكمة ما يساعده على احتوائها، ومن رقي التعامل ما يجعل تصحيح المسار ممكنًا دون إهدار كرامة أحد.
وهذه، في تقديري، واحدة من أهم صفات القيادة الناجحة؛ أن تحقق أهداف العمل، وتحافظ في الوقت نفسه على الإنسان الذي يقوم عليه هذا العمل.
مصر للبترول.. محطة تليق برحلة العطاء
في شركة مصر للبترول، كانت أمام محمد ماجد مسؤولية من نوع خاص؛ فنحن لا نتحدث عن شركة عادية داخل منظومة البترول المصرية، وإنما عن واحدة من أعرق مؤسساتها، واسم ارتبط بتاريخ طويل من العمل والإمداد والانتشار في مختلف أنحاء البلاد.
إنها الشركة التي تمتد شبكتها عبر شرايين الحياة المصرية، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، وتطل علامتها التجارية على الطرق والمحاور الرئيسية، وفي الموانئ والمطارات، عبر منظومة واسعة من محطات تموين الوقود ومواقع تقديم الخدمات.
شركة عاشت مراحل متعاقبة من تطور الاقتصاد المصري، وواكبت حلقات متتالية من التنمية، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من البنية التحتية التي لا يمكن الاستغناء عنها في حركة النقل والإنتاج والخدمات.
ولذلك، فإن إدارة مصر للبترول ليست مهمة روتينية، ولا مجرد انتقال من مكتب إلى آخر؛ إنها مسؤولية تتطلب فهمًا لطبيعة الشركة، وإدراكًا لثقل تاريخها، وقدرة على التعامل مع تحديات التشغيل والتوزيع والمنافسة، مع الحفاظ على مكانتها ودورها في سوق الوقود المصرية.
وقد وجدت في محمد ماجد، خلال توليه مسؤولية الشركة، تلك السمات التي تستحق التقدير؛ قيادة هادئة، وخبرة تراكمية، وتعامل راقٍ، وقدرة على الاقتراب من الملفات والقضايا دون افتعال صدامات لا تخدم العمل.
فالشركات العريقة لا تحتاج فقط إلى من يدير حاضرها، وإنما إلى من يدرك قيمة ما تراكم لديها من خبرات وتقاليد، ويعمل على تطوير أدائها بما يليق بتاريخها ومسؤولياتها.
بصمة لا تتوقف عند باب الخروج
لم تكن محطة مصر للبترول وحدها التي تستحق التوقف أمامها في مسيرة محمد ماجد؛ فقد سبقتها تجربة رئاسة شركة أنابيب البترول، بما تفرضه من مسؤوليات تشغيلية وفنية بالغة الأهمية، ثم توليه نيابة الهيئة العامة للبترول للنقل والتوزيع، وهي من المواقع التي تتشابك فيها اعتبارات الإمداد والتشغيل والتنسيق بين أطراف متعددة داخل قطاع البترول.
وفي كل محطة من هذه المحطات، تظل قيمة الخبرة الحقيقية فيما تضيفه إلى المؤسسة، وفيما تتركه من معرفة متراكمة، وقدرة على التعامل مع الأزمات، وفهم لطبيعة العمل وتحدياته.
أما بلوغ السن القانونية، فهو نهاية مرحلة وظيفية بحكم القواعد المنظمة للعمل، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية العطاء، ولا ينبغي أن يكون مبررًا لإهدار خبرات تراكمت عبر سنوات طويلة.
وهنا أتوقف أمام سؤال أراه جديرًا باهتمام قيادات قطاع البترول: لماذا لا تكون هناك آلية للاستفادة من خبرات القيادات المتميزة بعد انتهاء مدد عملها الرسمية، وفقًا لاحتياجات القطاع وضوابط واضحة، سواء من خلال الاستشارات الفنية والإدارية، أو نقل الخبرات إلى الأجيال الجديدة، أو المشاركة في معالجة الملفات التي تحتاج إلى معرفة عميقة بتفاصيل العمل؟
إن قطاعات الطاقة لا تبني نجاحها بالمشروعات والاستثمارات وحدها، وإنما تبنيه أيضًا بالخبرات البشرية التي تتراكم داخل مؤسساتها، وتختصر سنوات من التعلم والتجربة، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للاستفادة من دروس الماضي.
ومحمد ماجد، في تقديري، واحد من هؤلاء الذين تستحق خبراتهم أن تظل متاحة لقطاع البترول، إذا توافرت الحاجة إلى ذلك، وفي الموقع الذي يمكن أن يضيف فيه قيمة حقيقية.
تحية إلى رجل أدى رسالته باحترام
إلى المهندس محمد ماجد، أقول: شكرًا على رحلة مهنية تستحق التقدير، وعلى نموذج في القيادة يذكّرنا بأن النجاح لا يُقاس فقط بما يتحقق من أرقام ونتائج، وإنما أيضًا بالطريقة التي نصل بها إلى هذه النتائج، وبالأثر الذي نتركه في نفوس من عملوا معنا.
قد يغادر الرجل مكتبه، وتتغير اللافتة على باب المسؤولية، لكن ما يقدمه من جهد، وما يتركه من أثر، وما يكتسبه من احترام، يظل جزءًا من رصيده المهني والإنساني.
وأتمنى أن يجد قطاع البترول، بما يمتلكه من مؤسسات وخبرات، فرصة مناسبة للاستفادة من عطاء هذه القامة المهنية، فالعقول التي اكتسبت الخبرة عبر سنوات العمل لا ينبغي أن تُختزل قيمتها في تاريخ بلوغ السن القانونية.
كل التحية للمهندس محمد ماجد، مع خالص الدعاء بأن يمنحه الله الصحة والعافية، وأن يبارك له في عمره وأهله، وأن يجعل ما قدمه من جهد وعطاء في ميزان حسناته.
