تراهن وزارة البترول على زيادة استيراد النفط الخام وتكريره محليًا لخفض فاتورة البنزين والسولار، لكن الاعتماد على تسهيلات الموردين يثير تساؤلات بشأن التكلفة الحقيقية للوقود، ومدى قدرة هذه السياسة على تخفيف الضغط على الدولار.
تتجه الوزارة إلى استيراد نحو 15 مليون برميل من النفط الخام خلال الربع الأخير من عام 2026، بتكلفة تتراوح بين 1.4 و1.5 مليار دولار، في خطوة تستهدف ضمان استمرار تشغيل معامل التكرير المحلية وتأمين احتياجات السوق من المنتجات البترولية، وسط ضغوط متزايدة على فاتورة الطاقة.
وترتفع الواردات المستهدفة بنحو 8% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما تعتمد الهيئة المصرية العامة للبترول على تسهيلات ائتمانية قصيرة ومتوسطة الأجل لسداد قيمة الشحنات للموردين.
وتكشف هذه التحركات عن معادلة اقتصادية معقدة؛ إذ تسعى القاهرة إلى تقليل استيراد البنزين والسولار والمنتجات البترولية الجاهزة، مقابل زيادة الاعتماد على استيراد الخام وتكريره داخل البلاد، بهدف تعظيم القيمة المضافة والاستفادة من الطاقات الإنتاجية للمصافي المصرية.
غير أن نجاح هذه المعادلة لا يتوقف على حجم الواردات أو انخفاض مشتريات الوقود الجاهز وحدهما، بل يرتبط أيضًا بأسعار الخام وتكاليف التكرير والتمويل، ومدى قدرة المصافي على إنتاج المنتجات الأعلى قيمة، فضلًا عن أثر عمليات الاستيراد على إجمالي احتياجات الاقتصاد من النقد الأجنبي.
تشير التفاصيل المنشورة إلى أن خطة الاستيراد تشمل 6 ملايين برميل خلال أكتوبر/تشرين الأول، و4.5 مليون برميل في نوفمبر، ومثلها في ديسمبر.
ومن المتوقع أن تأتي الشحنات من السعودية وليبيا واليونان وأسواق أخرى، في إطار تنويع مصادر الإمدادات وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مورد واحد.
وبحساب متوسط الكميات المستهدفة، تعادل الواردات نحو 163 ألف برميل يوميًا خلال الأشهر الثلاثة، وهو ما يعكس أهمية الخام المستورد في استمرار تشغيل المصافي وتلبية احتياجات السوق.
تستهدف الحكومة المصرية خفض فاتورة استيراد المنتجات البترولية، باستثناء النفط الخام والغاز الطبيعي، من 6.2 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026 إلى نحو 3.6 مليار دولار، وفق وثيقة حكومية.
ويعني ذلك خفضًا مستهدفًا بنحو 2.6 مليار دولار، يعادل قرابة 42%، إلا أن هذه النسبة تخص المنتجات البترولية المكررة وحدها، ولا تشمل التكلفة الإضافية لاستيراد الخام أو الغاز الطبيعي.
وتكشف بيانات البنك المركزي المصري عن جانب آخر من الصورة، إذ ارتفعت واردات النفط الخام بنحو 1.9 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، بينما انخفضت واردات المنتجات البترولية بحوالي 1.2 مليار دولار.
وبذلك تجاوزت الزيادة في قيمة مشتريات الخام الانخفاض المسجل في مشتريات المنتجات بنحو 700 مليون دولار، من دون احتساب الزيادة في واردات الغاز الطبيعي التي بلغت 4.7 مليار دولار.
وانعكست هذه التطورات على إجمالي فاتورة الواردات البترولية التي ارتفعت إلى نحو 24.9 مليار دولار، فيما اتسع العجز التجاري البترولي إلى 18.3 مليار دولار.
وتشير هذه الأرقام إلى أن نجاح سياسة التكرير المحلي في خفض فاتورة بعض المنتجات لا يعني تلقائيًا تحقيق وفر مماثل في إجمالي فاتورة الطاقة، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار النفط العالمية وزيادة الاحتياجات من الغاز.
يرى نائب رئيس هيئة البترول المصرية السابق، المهندس مدحت يوسف، أن تكلفة المنتجات البترولية لا تتحدد بسعر النفط الخام وحده، وإنما تشمل عناصر متعددة تختلف بحسب مصدر المنتج وطريقة توفيره.
وأوضح أن السوق المصري يعتمد على مزيج من المنتجات المستوردة، وإنتاج شركات التكرير الاستثمارية، والمنتجات المستخرجة من الخام المحلي، إلى جانب الخام المشترى من حصص الشركاء الأجانب.
وأشار إلى أن تكلفة الوقود تشمل كذلك النقل والتخزين والتوزيع والتسويق والضرائب والرسوم، ما يجعل المقارنة بين الوقود المستورد والمنتج محليًا أكثر تعقيدًا من مجرد مقارنة سعر برميل النفط بسعر المنتج النهائي.
أكد يوسف أن المصافي المصرية بوضعها الحالي لا تستطيع توفير كامل احتياجات السوق من البنزين والسولار، مشيرًا إلى استمرار الحاجة لاستيراد كميات من المنتجات لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
وتدعم هذه الرؤية أهمية توجيه الاستثمارات نحو وحدات التكرير الأكثر تطورًا، القادرة على تحويل المنتجات منخفضة القيمة، مثل المازوت، إلى مشتقات أعلى قيمة، بدلًا من الاكتفاء بزيادة كميات الخام التي تدخل المصافي.
تكشف الحسابات الأولية أن تكلفة استيراد 15 مليون برميل بقيمة تتراوح بين 1.4 و1.5 مليار دولار تعادل متوسطًا يتراوح بين 93.3 و100 دولار للبرميل، وفق التقديرات المنشورة.
لكن سعر خام برنت سجل نحو 115 دولار للبرميل، ما يفتح تساؤلات بشأن أسس التسعير المستخدمة في تقدير تكلفة الشحنات المصرية.
وقد يرتبط الاختلاف بنوعية الخام المستورد أو توقيت التعاقد أو الخصومات التجارية، لكن المعلومات المنشورة لا تكفي لتحديد السبب بدقة.
ومن الناحية الاقتصادية، تتوقف جدوى الاستيراد بغرض التكرير على قيمة المنتجات الناتجة من كل برميل، مطروحًا منها تكلفة شراء الخام وتشغيل المصفاة والطاقة والنقل والتمويل.
فعندما تكون قيمة البنزين والسولار ووقود الطائرات وغيرها من المنتجات المستخرجة أعلى من مجموع هذه التكاليف، يمكن أن يحقق التكرير المحلي قيمة اقتصادية إضافية.
أما إذا ارتفعت تكلفة الخام أو التمويل، أو كانت المصفاة تنتج نسبة كبيرة من المنتجات منخفضة القيمة، فقد يتراجع العائد الاقتصادي من العملية.
وتوضح حساسية الفاتورة للأسعار أن ارتفاع التكلفة الفعلية بمقدار دولار واحد للبرميل يعني زيادة إجمالية قدرها 15 مليون دولار على شحنات بحجم 15 مليون برميل، بافتراض ثبات الكميات.
في المقابل، تظهر بيانات وزارة البترول تحسنًا في كفاءة تشغيل المصافي خلال الفترة الماضية، فقد أكد وزير البترول والثروة المعدنية، المهندس كريم بدوي, ارتفاع معدلات تشغيل معامل التكرير من نحو 66% إلى أكثر من 80%، نتيجة زيادة إمدادات الخام وتحسين كفاءة الوحدات الإنتاجية.
كما أعلنت شركة الإسكندرية للبترول زيادة كميات الخام المكرر بنسبة 9% خلال العام المالي 2025-2026، مع ارتفاع إنتاج السولار بنسبة 6%، ووقود الطائرات والكيروسين بنسبة 16%، والغاز البترولي المسال بنسبة 46%.
وتستهدف الحكومة استثمارات بنحو 4.5 مليار دولار لتطوير المصافي وزيادة إنتاج المشتقات البترولية الأعلى قيمة، بما يساعد على تقليل الاعتماد على الواردات الجاهزة.
وتشير هذه المؤشرات إلى قدرة التكرير المحلي على رفع المعروض من الوقود، لكن تحديد حجم الوفر المالي الفعلي يتطلب معرفة تكلفة تشغيل المصافي، ومزيج المنتجات الناتجة، وأسعار بيعها أو تكاليف استيراد بدائلها.
يبقى الجانب التمويلي أحد أبرز التحديات المرتبطة بالخطة المصرية، في ظل اعتماد الهيئة العامة للبترول على تسهيلات ائتمانية لسداد قيمة الشحنات المستوردة.
وتسمح هذه التسهيلات بالحصول على الخام دون سداد كامل قيمته فورًا، ما يساعد على توزيع المدفوعات الدولارية على فترات لاحقة، ويخفف الضغط على السيولة النقدية في الأجل القصير.
لكن تأجيل السداد لا يعني انخفاض التكلفة الاقتصادية للشحنات، إذ تظل الالتزامات قائمة، وقد ترتفع قيمتها النهائية إذا تضمنت التسهيلات فوائد أو رسوم تمويل.
وتزداد أهمية هذا التحدي في ضوء تحذيرات صندوق النقد الدولي من استمرار الضغوط المالية على الهيئة المصرية العامة للبترول.
فقد أشار الصندوق، في تقرير مراجعته السابعة لبرنامج مصر المنشور خلال 2026، إلى ارتفاع مديونية الهيئة واستمرار تأثير أعباء الفوائد على أدائها المالي، رغم الإجراءات المتخذة لتسوية مستحقات شركات النفط الأجنبية.
وأكد أهمية تحسين التدفقات النقدية وتقليل الضمانات الحكومية المرتبطة بالتزامات الهيئة، لضمان استدامة أوضاعها المالية.
ولا تتوافر في المعلومات المنشورة بشأن شحنات الربع الأخير تفاصيل كافية عن أسعار الفائدة وفترات السماح ومواعيد الاستحقاق، ما يحول دون احتساب تكلفة التمويل الفعلية أو تحديد مقدار الوفر النهائي.
تتوقف جدوى استراتيجية زيادة واردات الخام وتكريره محليًا على قدرة مصر على تحقيق 3 أهداف متوازية: خفض صافي التكلفة الدولارية للوقود، وزيادة إنتاج البنزين والسولار والمشتقات الأعلى قيمة، والحفاظ على استدامة التمويل دون تراكم التزامات جديدة يصعب سدادها.
وتمثل زيادة الإنتاج المحلي من النفط عاملًا مهمًا في هذه المعادلة، خاصة مع إعلان وزارة البترول وصول إنتاج الخام والمتكثفات إلى نحو 527 ألف برميل يوميًا، واستهداف زيادته إلى 750 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2030.
وفي النهاية، قد تنجح مصر في خفض مشتريات الوقود الجاهز وزيادة القيمة المضافة داخل المصافي، لكن الحكم على تحقيق وفر حقيقي يستلزم النظر إلى إجمالي فاتورة الخام والمنتجات والغاز وتكاليف التمويل معًا، وليس إلى انخفاض بند واحد من الواردات.
