رؤساء مجلس الإدارة والعمليات والسوق الخارجي ومنطقة القاهرة.. مواقع شاغرة.. بعضها منذ عامين! 

هناك فرق كبير بين أن تتأخر حركة تغييرات إدارية في شركة عادية، وبين أن تُترك واحدة من أهم القلاع الاستراتيجية في قطاع البترول المصري بلا قيادة مكتملة، بينما تتواصل مسؤولياتها اليومية في تأمين احتياجات ملايين المواطنين، وخدمة المطارات والموانئ، وإدارة شبكة ضخمة من محطات الوقود والمنشآت والمستودعات المنتشرة في أنحاء الجمهورية.

إننا نتحدث عن مصر للبترول.. الشركة التي لا يمكن اختزالها في كونها إحدى شركات تسويق المنتجات البترولية، فهي في حقيقتها مؤسسة وطنية بحجم دولة، تتشابك مسؤولياتها مع أمن الطاقة وحركة الاقتصاد واستقرار الأسواق، ولا تملك رفاهية التوقف أو الانتظار.

لكن ما يحدث داخل هذا الكيان العريق يثير علامات استفهام تتجاوز حدود التغيير الإداري المعتاد، وتفرض تساؤلات لا بد أن يجيب عنها المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية.

فالفراغ القيادي لم يعد في موقع واحد.. وإنما امتد إلى قمة الهرم الإداري وقلب النشاط التشغيلي للشركة!

منذ 17 أكتوبر الماضي، أصبح موقع رئيس مجلس إدارة مصر للبترول شاغراً بعد مغادرة شاغله السابق، المهندس محمد ماجد للتقاعد.ط، بينما ظل موقع مدير عام العمليات خالياً منذ نحو عامين كاملين!

وقبل أيام، خلا موقع مدير عام السوق الخارجي، كما خلا موقع مدير عام منطقة القاهرة منذ نحو شهر، فضلاً عن عدد من القطاعات الأخرى التي تعاني هي أيضاً من غياب شاغلي مواقعها القيادية.

وهنا يجب أن نتوقف طويلاً أمام منصب مدير عام العمليات تحديداً؛ لأن خطورة خلو هذا الموقع لا تقاس بمجرد درجته الوظيفية أو موقعه في الهيكل التنظيمي، وإنما بطبيعة المسؤوليات والقرارات التي تقع في نطاق اختصاصه.

مدير عام العمليات ليس مجرد مدير إدارة يمكن الاستغناء عن وجوده أو توزيع اختصاصاته على آخرين!

إنه أحد أهم المواقع التنفيذية في أي شركة تعمل في مجال تسويق وتوزيع المنتجات البترولية، حيث تتشابك مسؤولياته مع انتظام التشغيل، وتنسيق حركة الإمدادات، ومتابعة المستودعات والمحطات، والتعامل مع الطوارئ والاختناقات التشغيلية، واتخاذ قرارات لا تحتمل التأجيل، وفقاً للاختصاصات والصلاحيات المقررة.

فكيف يمكن أن يظل هذا الموقع شاغراً قرابة عامين؟

ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي يفترض أن تصدر عن هذا الموقع؟

وهل جرى توزيع اختصاصاته على قيادات أخرى؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يملك هؤلاء المسؤولون الصلاحيات الكاملة لاتخاذ القرارات، أم أن هناك قرارات تتعطل لأن أحداً لا يريد أن يتحمل مسؤوليتها؟

وهل يمكن لقيادة تنفيذية أخرى أن تتحمل وحدها أعباء موقع بهذه الحساسية، إلى جانب مسؤولياتها الأصلية؟

إن خطورة الأمر أن بعض القرارات التشغيلية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد إجراءات روتينية، فهي قرارات تحمل مسؤوليات فنية ومالية وإدارية وقانونية، وقد يتردد أي مسؤول في اتخاذها إذا لم يكن يشغل الموقع المختص أو يملك التفويض الواضح الذي يحمي قراره.

فما بالنا بشركة بهذا الحجم، يعمل نشاطها على مدار الساعة، ولا تتوقف مسؤولياتها عند حدود القاهرة أو الإسكندرية، وإنما تمتد إلى كل ربوع مصر؟

شركة بحجم دولة.. ولكن أين قياداتها؟

حتى ندرك حجم المفارقة، علينا أن نستعرض بعضاً من أرقام مصر للبترول وإمكاناتها.

الشركة تمتلك خمس مناطق جغرافية رئيسية، هي القاهرة والإسكندرية والقناة والبحري والقبلي، وتدير نحو 13 مستودعاً رئيسياً وفرعياً موزعة على مستوى الجمهورية، فضلاً عن شبكة تضم قرابة 1560 محطة خدمة وتموين.

وتقدم خدماتها لقطاع الطيران في أكثر من 12 مطاراً، كما تشارك في تموين السفن بالموانئ المصرية من خلال أسطول بحري، بما يجعلها أحد الأذرع الرئيسية في منظومة إمدادات الوقود والخدمات البترولية.

ولا يتوقف الأمر عند التسويق والتوزيع؛ فالشركة تمتلك واحداً من أكبر مصانع الزيوت والشحوم في الجمهورية، من خلال الإدارة العامة للإنتاج والتصنيع بالعامرية، فضلاً عن مساحات واسعة من الأراضي والمخازن والورش ومعامل الزيوت والمختبرات ومراكز التدريب.

كما يمثل مركز منار مصر للبترول أحد الأذرع المهمة في تدريب وتأهيل العاملين، ولا تقتصر خدماته على أبناء الشركة وحدهم، بل تمتد إلى العاملين في عدد من شركات القطاع.

وعلى المستوى الاقتصادي، تتجاوز إيرادات الشركة حسب اخر ميزانية عمومية 230 مليار جنيه، وتصل مبيعاتها إلى نحو 8 ملايين طن، ويعمل بها قرابة 8 آلاف عامل في مختلف التخصصات والمواقع.

هذه الأرقام ليست مجرد بيانات في تقرير سنوي، وإنما تعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الإدارة العليا، وحجم القرارات التي يتعين اتخاذها يومياً لضمان استمرار العمل بكفاءة وانتظام.

من هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يمكن أن تدار هذه الإمبراطورية التشغيلية بهذا القدر من الفراغ القيادي؟

كيف تدار 1560 محطة، و13 مستودعاً، وخدمات تموين المطارات والموانئ، بينما موقع رئيس مجلس الإدارة شاغر، وموقع مدير عام العمليات خالٍ منذ عامين، وموقع مدير عام السوق الخارجي خالٍ منذ أيام، وموقع مدير عام منطقة القاهرة شاغر منذ نحو شهر؟

ومن المسؤول عن تأخير استكمال هذه المواقع؟

هل لدى وزير البترول تصور واضح لحركة القيادات داخل الشركة؟ وهل توجد خطة زمنية معلنة لشغل المواقع الشاغرة، أم أن الأمر تُرك دون جدول زمني، ودون تقدير حقيقي لما قد يترتب عليه من آثار؟

واقول وزير البترول وليس هيئة البترول بإعتبار أن الوزير وبعض العناصر فى الوزارة هم أصحاب القرار الأوحد فى كل ما يتعلق بالوزارة والشركات حتى عمال الخدمات.

وإذا كانت هناك قيادات تتولى تسيير الأعمال، فلماذا لم يتم حسم شغل المواقع بصورة رسمية تضمن وضوح المسؤولية والصلاحيات؟

والأخطر من ذلك: هل يدرك المسؤولون أن استمرار هذا الوضع قد يضعف منظومة الرقابة والمتابعة، ويؤثر على سرعة اتخاذ القرار، ويضاعف الأعباء على القيادات الموجودة بالفعل، التي تتحمل مسؤوليات مواقعها إلى جانب أعباء إضافية؟

مصر للبترول ليست شركة عادية.. والتاريخ شاهد على دورها الوطني.لي

منذ ستينيات القرن الماضي، ظلت مصر للبترول، إلى جانب شقيقتها شركة التعاون للبترول، من أهم ركائز تأمين احتياجات السوق المحلية.

ولعل أحداث يناير 2011 تقدم دليلاً لا يمكن تجاهله؛ ففي الوقت الذي أغلقت فيه شركات تسويق عديدة منافذها ومحطاتها تحت وطأة الانفلات الأمني والاعتداءات التي تعرضت لها بعض المنشآت، ظلت الشركتان في مواقع العمل، تؤديان واجبهما في توفير احتياجات المواطنين والمطارات والمنشآت الحيوية، رغم ما تحملتاه من خسائر وأعباء استثنائية.

كانتا في ذلك الوقت جنوداً مرابطين في مواقع المسؤولية، لأن أمن الإمدادات لا ينتظر تحسن الظروف، ولأن المواطن لا يمكن أن يستغني عن الوقود مهما كانت صعوبة المشهد.

فهل يكون جزاء هذا التاريخ أن تُترك إحدى أهم هذه القلاع الوطنية في مواجهة مسؤولياتها دون اكتمال قيادتها؟

إن القضية هنا ليست اعتراضاً على خروج مسؤول إلى التقاعد، ولا مطالبة بتعيين شخص بعينه، ولا تدخلاً في صلاحيات الوزير أو الهيئة العامة للبترول؛ وإنما هي مطالبة ضرورية بحماية كيان اقتصادي واستراتيجي، وضمان ألا يتحول الفراغ الإداري إلى خلل في منظومة التشغيل.

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له المؤسسات الكبرى ليس نقص الأصول أو تراجع الإمكانات، وإنما غياب القيادة القادرة على توظيف هذه الإمكانات واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

فالشركات لا تدار بالأسماء الموجودة على الورق، ولا بالهياكل التنظيمية التي تظل حبيسة الأدراج، وإنما بقيادات تملك الصلاحيات، وتتحمل المسؤولية، وتتابع التفاصيل، وتواجه الأزمات.

وإذا كان خلو موقع مدير عام العمليات في شركة متوسطة الحجم يمثل خللاً بالغ الخطورة، فما بالنا بشركة بحجم مصر للبترول، التي تمتد أذرعها التشغيلية إلى مختلف أنحاء الجمهورية؟

إن ترك مثل هذه المواقع شاغرة لفترات طويلة لا يجوز أن يمر باعتباره أمراً إدارياً عادياً، بل يستوجب الفحص والمساءلة عن أسباب التأخير، ومدى تأثيره على كفاءة الأداء، وضمان عدم تعطيل مصالح الشركة والعاملين والمتعاملين معها.

ومن هنا أسأل الوزيرركريم بدوي:  من يحمي مصر للبترول من الفراغ القيادي؟

ومن يتحمل مسؤولية بقاء موقع مدير عام العمليات شاغراً قرابة عامين، في حين أن الشركة تعمل على مدار الساعة؟

ولماذا لم يتم حتى الآن استكمال المواقع القيادية التي تمثل عصب الإدارة والتشغيل؟

إن مصر للبترول لا تحتاج إلى قرارات شكلية أو مسكنات إدارية، وإنما تحتاج إلى تدخل عاجل لاستكمال قياداتها، وتحديد المسؤوليات والصلاحيات، ومراجعة أوضاع القطاعات الشاغرة، ووضع خطة واضحة لتطوير الشركة وتعظيم الاستفادة من أصولها وإمكاناتها.

فهل يتحرك الوزير لإنقاذ قلعة وطنية بحجم دولة، أم ننتظر حتى يتحول الفراغ القيادي إلى أزمة يدفع ثمنها كيان عريق خدم الدولة والمواطن لعقود طويلة؟

مصر للبترول أكبر من أن تُترك بلا قيادة.. وأخطر من أن يُستهان بفراغ مواقعها الحيوية.