لا تحاكموا رجلاً قبل أن تعرفوا من هو!

عرفته طبيبًا يحنو على مرضاه، وأستاذًا يفتح أبواب الأمل للفقراء.. وهذه شهادتي بعد ربع قرن من المعرفة.


ليس من المنطق أن تُروى الحكايات من زاوية واحدة، وليس من العدل أن نختزل تاريخ إنسان في واقعة لا نعرف كل تفاصيلها، أو أن نحاكمه بأحكام قاسية لا تستند إلا إلى انطباعات وتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.

لا أريد الدخول في جدال حول واقعة اكتشاف وفاة شقيقة أحد الوزراء السابقين داخل شقتها بعد مرور ثلاث سنوات على رحيلها، ولا أريد الخوض في تفاصيل الرواية من أولها إلى آخرها. فالله وحده يعلم حقيقة ما جرى، وما أحاط به من ظروف وملابسات، وهو وحده سبحانه الأعلم بما تخفيه الصدور.

لكن ما استوقفني حقًا  تلك التعليقات التي افتقد بعضها إلى أبسط معاني الإنسانية، وتحولت فيها مأساة إنسانية إلى مناسبة لإطلاق الأحكام والسخرية والتشفي، دون أن يتوقف أصحابها أمام حقيقة بسيطة: أنهم لا يعرفون بالضرورة كل ما جرى، ولا يملكون كل ما يسمح لهم بإصدار أحكام قاطعة على إنسان أو النيل من كرامته.

وأنا هنا لا أتحدث عن شخص لا أعرفه، ولا عن اسم قرأت عنه في خبر عابر، وإنما أتحدث عن الدكتور حسين خالد، الانسان قبل أن يصبح وزيراً للتعليم العالي، وأستاذ علاج الأورام، وعميد المعهد القومي للأورام سابقاً، رجل عرفته منذ نحو ربع قرن، وتابعت جانباً من رحلته المهنية والإنسانية، وكانت لي معه مواقف وتجارب لا أنساها.

عرفت حسين خالد الإنسان قبل أن أعرف الوزير والمسؤول والأستاذ الجامعي.

عرفته طبيباً يحمل هموم مرضاه، وأستاذاً جامعياً يدرك أن العلم لا تكتمل قيمته إلا عندما يتحول إلى خدمة للناس، وأن المريض، خاصةً إذا كان فقيراً ومثقلاً بآلام المرض، يحتاج إلى من يمد إليه يد العون قبل أن يطلب منه استيفاء الأوراق والإجراءات.

أتذكر جيداً أن مكتبه في المعهد القومي للأورام كان يضم مجموعة من الأطباء والموظفين، يعملون وفق توجيهات واضحة منه، عنوانها تيسير الإجراءات وتذليل العقبات أمام المرضى، وعدم ترك مريض فريسة للانتظار أو العجز أو ضيق ذات اليد، مع اهتمام خاص بالحالات الفقيرة التي لا تملك من أمرها شيئاً سوى الأمل في العلاج.

لم تكن تلك مجرد تعليمات إدارية، وإنما كانت تعبيراً عن قناعة إنسانية راسخة بأن المستشفى مؤسسة لعلاج الإنسان، وليس لتعقيد حياته.

وعلى المستوى المهني، شهد المعهد القومي للأورام خلال فترة توليه المسؤولية مع بداية الالفية خطوات مهمة في تطوير منظومة العمل، من بينها العمل على إنشاء وتنسيق قاعدة لتسجيل حالات مرضى السرطان في مصر بالتعاون مع وزارة الصحة، بما يتيح بناء صورة أكثر دقة عن حجم المرض وانتشاره، ويساعد في التخطيط العلمي لمواجهته.

كما اهتم بتعزيز التنسيق بين مراكز علاج الأورام في مختلف المحافظات والمعهد القومي للأورام، لتبادل الخبرات ومناقشة الحالات والاستفادة من الإمكانات العلمية والطبية، بدلاً من أن تعمل المؤسسات كل منها بمعزل عن الأخرى.

وشهد المعهد كذلك مشروعات مهمة للتطوير والتحديث، من بينها تجديد وتطوير المبنى القديم الذي يرجع تاريخ إنشائه إلى خمسينيات القرن الماضي، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، إلى جانب الاهتمام بتطوير خدمات الكشف المبكر عن الأورام، والارتقاء بمستوى الرعاية المقدمة للمرضى.

وكان المعهد يضم آنذاك كوكبة من كبار العلماء والأساتذة والأطباء، الذين أسهموا في إثراء العمل الطبي والبحثي، وشاركوا في أنشطة ومشروعات استهدفت تطوير منظومة علاج الأورام في مصر.

لكن ما أريد التوقف أمامه ليس فقط ما قدمه الدكتور حسين خالد للمؤسسة التي تولى إدارتها، وإنما ما عرفته عنه في علاقته بالمرضى، بعيداً عن المناصب والأضواء.

فلم أعرفه يوماً إلا رجلاً يحنو على مرضاه، ويربت على أكتافهم، ويتعامل مع آلامهم باعتبارها مسؤولية إنسانية قبل أن تكون مهمة طبية.

وأعرف أنه كان يعفي العديد من الحالات الفقيرة من مقابل الكشف في عيادته الخاصة، ولم يكن ذلك منفصلاً عن النهج الإنساني الذي عرفته عنه داخل المعهد.

وكانت زوجته، الأستاذة الدكتورة رباب جعفر عليها رحمة الله، من كبار أساتذة علاج أورام الصدر، شريكة له في هذا المسار العلمي والإنساني، بما لها من مكانة علمية ومهنية في هذا التخصص، ولا أنسى أنها تولت توقيع الكشف على زملاء وحالات انسانية فى عياداتها الخاصة بعيدا الخرية بالعادي دون أن تتقاضى ثمن الكشف الذى كان محدودا مقارنة بالاساتذة امثالها.

واللافت أن هذا الدور الإنساني لم ينقطع بانتهاء المناصب. فما زال الدكتور حسين خالد، بما يحظى به من ود واحترام لدى عدد كبير من العاملين بالمعهد القومي للأورام وأساتذة وعلماء هذا التخصص، يسعى إلى مساعدة المرضى، خصوصاً الفقراء منهم، والتدخل لتذليل ما يعترض طريقهم من عقبات للحصول على الخدمة الطبية.

هذه هي الصورة التي عرفتها للرجل.. وهذه شهادتي فيه.

وأقولها بوضوح: إن تقديم هذه الشهادة ليس محاولة لتبرير واقعة لا تزال تفاصيلها بحاجة إلى الفهم والتحقق، وإنما هو إنصاف لإنسان عرفته، وشاهدت جانبًا من عطائه، ولا أقبل أن يُمحى تاريخه الإنساني والمهني بتعليقات متعجلة أو أحكام قاسية.. تضع الرجل فى مصاف قاطع الرحم.

فالإنسانية لا تعني أن نغلق باب الأسئلة، كما أن حق الناس في السؤال والمعرفة لا يمنح أحداً الحق في إهدار كرامة الآخرين أو تحويل المآسي إلى مادة للتندر والتشفي.

وإذا كانت هناك ملابسات تستحق التفسير، فلتُطرح الأسئلة، وليكن البحث عن الحقيقة هو الهدف، وليكن الحكم على الوقائع والأدلة، لا على الظنون والانطباعات.

أما أن نختزل إنساناً في واقعة يجهل الجميع تفاصيلها ، وننسى سنوات من العمل والعطاء ومواقف قد تكون خففت آلام آلاف المرضى، فذلك ليس من العدل في شيء.

لسنا مطالبين بأن نعرف كل أسرار الناس، لكننا مطالبون بألا نفقد إنسانيتنا ونحن نتحدث عنهم.

رحم الله السيدة التي رحلت، وألهم أهلها وعلى رأسهم شقيقها الإنسان العظيم الدكتور حسين خالد الصبر، وحفظ لنا ما تبقى من إنسانيتنا، فالموت وحده كافٍ ليكون موجعاً، ولا ينبغي أن نضيف إلى وجع الفقد قسوة الأحكام وسياط الكلمات.