أسامة داود يكتب: الترشيد بين دولارات القمة وعدالة التوزيع داخل هرم البترول (2)

أسامة داود يكتب: الترشيد بين دولارات القمة وعدالة التوزيع داخل هرم البترول (2)


حين تتحول عضوية المجالس من أداة ضبط إلى زيادة فجوة

في الحلقة الأولى، توقفنا أمام مفارقة صارخة: دعوات الترشيد التي تُرفع في وجه العاملين بالجنيه، بينما تظل دولارات القمة بعيدة عن أي مراجعة حقيقية.

لكن ما لم يُطرح بوضوح هو أن الأزمة لا تتوقف عند حدود كم يتقاضى عضو مجلس الإدارة، بل تمتد إلى سؤال أكثر خطورة: كيف يُعاد توزيع هذه الدخول داخل نفس الطبقة القيادية؟

نحن هنا لا نتحدث عن فجوة بين عامل وقيادي فقط… بل عن فجوة بين القيادات نفسها.

من يربح أكثر ؟

داخل قطاع البترول، تتساوى فى حجم المسؤوليات كيانات مختلفة في طبيعتها وهى شركات عامة ،وشركات مشتركة، وشركات استثمارية

لكن ما لا يتساوى هو هيكل الدخول.

قيادات الشركات العامة والمشتركة تخضع للوائح مالية شديدة الانضباط، تحدد سقوفًا واضحة للرواتب والمكافآت، وتضع قيودًا صارمة على البدلات.. وفي المقابل، نجد قيادات داخل الشركات الاستثمارية يتمتعون بهياكل مالية أكثر مرونة، بل وأحيانًا مفتوحة، تسمح بمكافآت ضخمة وبدلات مرتبطة بالدولار.

وهنا تتشكل مفارقة من نوع جديد وهى قيادات تحمل نفس المسؤولية… لكن لا تحمل نفس العائد.

حين كانت العدالة تُدار، ولا تُترك للصدفة

خلال سنوات تولي المهندس سامح فهمي وزارة البترول، لم يكن هذا التفاوت غائبًا عن المشهد، لكنه لم يُترك ليصنع أزمته بنفسه.

كان هناك تصور إداري واضح يقوم على فكرة تدوير عضويات مجالس الإدارة فى الكيانات المختلفة بين  

قيادات الشركات العامة والمشتركة يتم إسناد عضويات لهم في الشركات الاستثمارية

وقيادات الشركات الاستثمارية يشاركون في مجالس إدارات الشركات العامة والمشتركة

لم يكن هذا مجرد توزيع مقاعد… بل كان محاولة واعية لـ إعادة توزيع الفرص والدخول.

وعندما سُئل عن فلسفة هذا التوجه، كانت الإجابة مباشرة:

تقليص الفجوة في الدخول بين قيادات تُقيدها اللوائح… وأخرى تُمنح فيها المزايا بسخاء.

بمعنى آخر، لم يكن الهدف تحقيق مساواة كاملة، بل منع الانفجار الصامت داخل الصف القيادي نفسه.

ماذا تغير الآن؟

المؤشرات الحالية داخل بعض الشركات تقول إن هذا التوازن لم يعد قائمًا بنفس القوة.

بل على العكس، ظهرت ملامح تمركز عضويات مجالس الإدارة داخل دوائر محددة، غالبًا ما تدور في فلك الشركات الاستثمارية أو الكيانات الأكثر ربحية.

وكانت النتيجة.. نفس الأسماء تتكرر في أكثر من مجلس... نفس الدوائر تستحوذ على الجزء الأكبر من المكافآت

بينما تتراجع فرص قيادات الشركات العامة في الوصول إلى هذه المواقع... وهنا لا تصبح الفجوة فقط بين جنيه ودولار ، بل بين قيادي وآخر داخل نفس القطاع.

العدالة الغائبة… خطر إداري و مالى.

قد يبدو الأمر للبعض وكأنه مجرد تفاوت في الدخل، لكنه في الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

لأن غياب العدالة داخل الصف القيادي نفسه يؤدي إلى، تآكل الإحساس بالإنصاف المؤسسي و تراجع الحافز لدى القيادات المقيدة بلوائح صارمة

بالاضافى الى الأخطر وهو خلق طبقة مميزة داخل الإدارة… وطبقة أخرى تعمل تحت سقفها

وهنا تتحول المنظومة من هيكل متكامل إلى مسارات متوازية لا تلتقي.

الترشيد الحقيقي يبدأ من هنا

إذا كانت وزارة البترول تتحدث عن الترشيد، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ليس فقط،كم ننفق؟.. بل كيف نوزع ما ننفق؟

لأن الترشيد في جوهره ليس خفض أرقام… بل ضبط عدالة توزيعها.. وهنا تتعدد التساؤلات.. هل من المنطقي أن تستمر عضويات المجالس بنفس النمط المغلق؟

هل من المقبول أن تظل فرص الوصول إلى هذه المواقع حكرًا على دوائر بعينها؟.. ولماذا لا يتم إحياء فلسفة التبادل التي كانت تضمن حدًا أدنى من التوازن؟

ما بين الأمس واليوم

الفارق بين إدارة الأمس واليوم لا يُقاس فقط بحجم الإنتاج أو الأرباح... بل يُقاس أيضًا بقدرة المنظومة على إدارة العدالة داخلها.

ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات الترشيد، يبقى الاختبار الحقيقي: هل نملك الشجاعة لإعادة النظر في خريطة توزيع المزايا داخل القيادات نفسها؟

أخيراً.. الترشيد لا يكون عادلًا إذا بدأ من القاع و لم يتجاوزه... ولا يكون فعالًا إذا تجاهل الفجوات داخل القمة نفسها.

وإذا كانت دولارات المجالس تمثل قمة الهرم…

فإن عدالة توزيعها هي القاعدة التي يقف عليها هذا الهرم..وإن اختلت القاعدة… فلن ينقذ القمة أي ترشيد.

وللحديث بقية…