أسامة داود يكتب: حين تتحول الكهرباء إلى سلطة فوق القانون (6)
في لحظة فارقة، لا تتعلق بالكهرباء بقدر ما تتعلق بطبيعة السلطة وحدودها، بعدما يتبدى لنا مشهد مقلق.. مسؤول يفقد إدراكه لموقعه، فيتوهم أنه المالك لا الأجير، السيد لا الخادم، فيخلط بين إدارة مرفق عام وبين امتلاك رقاب الناس.
هنا لا تعود الأزمة الى أزمة عداد كودي أو تعريفة استهلاك توازى أضعاف المتعارف عليه، بل تتحول إلى أزمة وعي بالسلطة وحدودها، وأزمة احترام لنصوص القانون وروح الدستور.
عندما يخرج المتحدث الرسمي لوزارة الكهرباء نيابة عن وزير الكهرباء بلسان لا يخلو من تعالٍ، ليعلن – تصريحاً لا تلميحاً – أن العدادات الكودية أصبحت أداة للتأديب والتهذيب وإجبار المواطنين على التصالح، فإننا لا نكون أمام تصريح عابر، بل أمام تحول خطير في فلسفة إدارة المرفق العام.
لأن السؤال هنا ليس: هل نؤيد التصالح على مخالفات البناء أم لا؟
بل: هل يجوز لجهة خدمية أن تتحول إلى أداة إكراه؟ .. من خدمة المواطن… إلى تأديبه!
الكهرباء، وفقًا للقانون، مرفق عام يقدم خدمة مقابل تعريفة محددة.
لا هي سلطة عقابية، ولا بديل عن المحليات أو أجهزة ترخيص المبانى.
لكن ما جرى – وما يُقال – يكشف عن انحراف واضح بالسلطة حيث تم تحويل وسيلة محاسبية العداد الكودية إلى أداة ضغط وإجبار..وهنا يقع الخلط الفادح.
بدلًا من أن يكون العداد وسيلة لقياس الاستهلاك، يصبح وسيلة لإخضاع المواطن.. وبدلًا من أن تكون التعريفة انعكاسًا لتكلفة الخدمة، تتحول إلى عقوبة مقنّعة.. وهذا ليس مجرد خطأ إداري… بل شبهة مخالفة دستورية صريحة.
المواطن متهمًا
الأخطر في هذه المعادلة المختلة، أن المواطن – الذي لجأ إلى العداد الكودي ليحصل على خدمة شرعية – يتم وضعه عمليًا في موضع المتهم فيتم الزامه بالدفع اكثر مما حدده القانون والقرارات الرسمية وأصبح يعامل بشبهة، ويُحمَّل أعباء لا علاقة لها بالاستهلاك الفعلي.. وكأن الكهرباء تقول له أنت مخالف… حتى تثبت العكس
وهنا ينهار المبدأ القانوى الأساسي وهو الأصل في المواطن البراءة، وليس الإدانة.. فهل من العدل أن يُحاسب المواطن على مخالفة قد لا يكون طرفًا فيها؟
وهل يجوز أن يمتشق وزير الكهرباء سيف خدمة ضروروية وهى الكهرباء إلى وسيلة عقاب جماعي؟ هل قرر الوزير ان يحيل وزارة الكهرباء الى دولة داخل الدولة؟
حين تتجاوز جهة حدود اختصاصها، وتفرض قواعدها الخاصة، وتبتدع أدوات للضغط خارج إطار القانون، فنحن لا نكون أمام خطأ إداري عابر… بل أمام نواة لفتنة كسر هيبة القانون الذى يحكم كل من هو داخل إطار الدولة.
قطاع الكهرباء ليس كيانًا مستقلاً عن الدولة، وبالتالي لا يملك أن يضع سياسة عقابية موازية..للعقوبات التي يحددها القانون او اللوائح المنبثقة من مواد قانونية.
ووزير الكهرباء – أيًا كان اسمه – ليس صاحب سلطان مطلق، بل موظف عام يتقاضى أجره من أموال الشعب، ليخدمه لا ليؤدبه.
أين البرلمان؟
إذا كان هذا المشهد قد مر دون مساءلة، فهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: أين الرقابة البرلمانية من هذا الانحراف؟
من يحاسب مسؤولًا يعلن – صراحة أو ضمنًا – أن الخدمة العامة أداة للإكراه؟
وهل يجوز أن تمر تصريحات بهذا الحجم دون استدعاء لوزير الكهرباء أو تحقيق أو حتى توضيح رسمي؟
إن ترك الأمور دون حساب، يفتح الباب لتغول أكبر، ويُرسخ فكرة أن أى مسئول عن المرفق العام يمكن أن يتحول إلى أداة تعسف بالسلطة لا مؤدى للخدمة.
تساؤلات لا تحتمل التأجيل
هل من حق الكهرباء أن تربط تقديم الخدمة بإجبار المواطنين على التصالح في مخالفات البناء؟
من منحها سلطة مضاعفة الأسعار خارج إطار التعريفة المعتمدة؟
هل يوجد نص قانوني يسمح باستخدام العدادات الكودية كأداة ضغط؟
أم أننا أمام اجتهاد إداري تجاوز حدوده وتحول إلى فرض أمر واقع؟
القضية هنا أعمق من مجرد تعريفة أو نظام محاسبة.. إنها قضية عقلية إدارة ترى في المواطن خصمًا، لا صاحب حق.. وترى في القانون أداة، لا قيدًا.. وفي السلطة امتيازًا، لا مسؤولية.
وحين يصل المسؤول إلى هذه الحالة، فلا بد من وقفة… لا لحماية المواطن فقط، بل لحماية الحكومة نفسها من الانزلاق إلى نموذج لا تحكمه القوانين، بل الأهواء.. لأن الحكومة التي تسمح لمسئولى مرافقها أن تؤدب مواطنيها خارج القانون، تخاطر بفقد المعنى الحقيقي للعدالة فى الدولة.
